27 أكتوبر, 2010

في كتاب السادات والجاسوس أغرب قضية جاسوسية أبطالها رئيس مصري وألمانيان وراقصة

في كتاب السادات والجاسوس
أغرب قضية جاسوسية أبطالها رئيس مصري وألمانيان وراقصة
في أحد ملاهي النمسا الليلية تمكنت المخابرات الألمانية من نسج خيوطها حول الراقصة المصرية حكمت فهمي، بعد أن دفعت إليها بالجاسوس الألماني ابلر حسين جعفر، ولكنها عندما عادت إلى القاهرة اكتشفت أنه الجاسوس الألماني إبلر ليربط بينهما كراهيتهما للإنكليز، ومن جانبه حبه لبلاده، وحينما تعطل جهاز اللاسلكي تمكنت حكمت فهمي من استدعاء الضابط أنور السادات الوطني الثائر لإصلاح الجهاز ، ليرتبط السادات مع حكمت فهمي والجاسوس الألماني إبلر بأكبر قضية تجسس في ذلك الوقت.الكاتب الصحفي محمود صلاح يكشف لنا من خلال كتابه السادات والجاسوس العلاقات المتشابكة ما بين حكمت فهمي والمخابرات الألمانية، وكيف اشتعلت ثورية الضابط أنور السادات لتجنيده لخدمة الألمان، بعد أن جمعهما كراهيتهما للإنكليز .. كما يكشف عمليات الاعتقال المتكررة، والحوادث والمغامرات المثيرة لحياة الرئيس الراحل أنور السادات، وعلاقته بجماعة الإخوان، والكثير من الأحداث المثيرة منذ الحرب العالمية الثانية حتى هروبه من المعتقل..ويتناول الكتاب قصة حياة الضابط المصري أنور السادات منذ بداية الحرب العالمية الثانية بين دول المحور، والحلفاء وفي مقدمتهم بريطانيا التي كانت تحتل مصر.كما يتناول النشأة الأولى للسادات في قريته ميت أبو الكوم منذ عام 1918 وانتقاله فيما بعد إلى حي كوبري القبة بالقاهرة والحياة الفقيرة التي عاشها، ويرصد الكاتب وطنية السادات المبكرة بكراهيته لمشهد الكونستابل الإنكليزي وهو يجوب شوارع القاهرة.
ومن المتناقضات أنه رغم كراهية السادات للإنجليز، فقد أتاحت له وساطة أحد الأطباء الإنكليز دخول الكلية الحربية وبعد عامين تخرج السادات من الكلية الحربية وهو يراوده الحلم بالثورة ضد الإنكليز.
وفي منقباد التقى السادات مع الضابط جمال عبد الناصر لأول مرة، ،كان عبد الناصر ينصت له ولا يتكلم إلا القليل، لأنه كان لا يميل إلى المزاح، ولأنه يقيم حاجزاً بينه وبين الآخرين، وهو الأمر الذي دفع السادات للإعجاب بشخصيته.
السادات والإخوان
ويكشف الكاتب عن قوة علاقة الضابط أنور السادات بجماعة الإخوان المسلمين، وذلك من خلال التزامه الشديد بحضور درس الثلاثاء، الذي كان يلقيه الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين، وأثار التزامه بحضور الدرس الأسبوعي انتباه الشيخ حسن البنا، مما دفعه إلى التحفظ في الحديث معه في البداية، حتى صارحه السادات ذات يوم بأنه يسعى إلى عمل تنظيم عسكري لقلب الأوضاع في البلد!!
إلا أن الشيخ البنا التزم الصمت رغم دهشته من تلك الصراحة المذهلة، فقد خشي البنا أن يكون السادات مدسوساً عليهم من المخابرات!! إلا أنه عندما كاشفه السادات بمخططات الجيش في التحرك للثورة هنا تخلى الشيخ حسن البنا عن حذره تجاه السادات، وبدأ التنسيق بينهما للثورة على نظام الحكم الملكي.
عزيز المصري
ولما كان السادات مفتوناً بشخصية عزيز المصري، فقد سعى لدي الشيخ حسن البنا لتقديمه إلى الفريق عزيز المصري، وشجعه عزيز على المضي قدماً في تنظيمه السري، وانضم إليه زملاؤه ، حتى اضطرت إدارة الجيش الإنكليزي إلى انسحابهم بأسلحتهم، وعقب ذلك تورط السادات في عملية تهريب عزيز المصري لحساب الألمان، لمساندة رشيد الكيلاني بالعراق في ثورته ضد الإنكليز، إلا أن المخابرات اكتشفت محاولته، وتم القبض علي السادات، وراوغ وكيل النيابة حتى أفرج عنه ليواصل نشاطه السياسي السري.
الإنكليز والنحاس
وعندما تقدمت جيوش القائد الألماني روميل إلى ليبيا في عام 1942 شعر الإنكليز بأن الرأي العام المصري ضدهم، وفي محاولة منهم لإرضاء الشعب المصري، حاصروا قصر الملك فاروق بعد رفضه تكليف مصطفى النحاس بتشكيل الوزارة واجبروا الملك على تكليف النحاس بتشكيل الوزارة ، ورغم ذلك خرجت المظاهرات تهتف في شوارع القاهرة إلى الأمام يا روميل!
وعندما سقطت العلمين في يد الألمان، أرسل السادات ضابطاً مصرياً إلى القائد الألماني روميل، ليخبره بأن التنظيم السري للضباط المصريين، على استعداد للمشاركة في الحرب إلي جانب الألمان ضد الإنكليز، مقابل أن تنال مصر استقلالها، وأقلعت طائرة بالضابط المصري إلا أن الألمان أسقطوها.. وكان السادات في ذلك الوقت يعمل بسلاح الإشارة في الجبل الأصفر، وذات يوم جاءه زميله حسن عزت وأخبره بمفاجأة، أن ضابطين من الجيش الألماني يطلبان مساعدته، لتبدأ علاقة السادات مع أغرب قصة جاسوسية أبطالها ضابطان ألمانيا وراقصة مصرية..
الراقصة والجاسوس
ويكشف الكاتب بداية علاقة الراقصة حكمت فهمي بالجاسوس الألماني حسين جعفر أبلر والتي بدأت داخل أحد النوادي الليلية بالنمسا التي كانت ترقص فيها حكمت فهمي، عندما قدم لها حسين جعفر نفسه علي أنه طالب مصري، واستطاع أن ينسج خيوط شباكه حولها بحكمة، حتى وقعت في غرامه، ليختفي من حياتها فجأة ودون مقدمات.
وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية عادت حكمت فهمي إلى مصر، لترقص في ملهي الكونتيننتال، دون أن تعلم أنه قد تم تجنيدها ضمن جهاز المخابرات الألماني من خلال العلاقة التي نسجها حولها حسين جعفر، وكان رئيس المخابرات الألمانية قد شاهد حكمت فهمي وهي ترقص في النمسا، فدعاها للرقص أمام هتلر ووزير دعايته جوبلز في ألمانيا، وعندما شاهدها جوبلز أعطى تعليماته بتجنيدها لصالح الألمان، الذين كانوا يعرفون حجم شعبيتها لدى كبار الضباط الإنكليز في مصر.
ولم تكن حكمت فهمي تعلم أن علاقتها مع حسين جعفر أو الضابط الألماني أبلر سوف تجمعها مع السادات في أكبر قضية تجسس في ذلك الوقت، ويكشف الكاتب حقيقة حسين جعفر، فهو من أب وأم ألمانيين، انفصل كلاهما عن الآخر، وكانت الأم تعمل بمدينة بور سعيد، والتقت بمحام مصري تزوجها وتبنى الطفل، وأطلق عليه حسين جعفر، ولكنه عندما سافر إلى ألمانيا التقطته المخابرات الألمانية وتم تجنيده لإتقانه العربية، وكانت أول المهام التي أوكلت إليه هي نسج علاقة غرامية مع الراقصة حكمت فهمي تمهيداً لتجنيدها وعندما حاولت المخابرات الألمانية زرع جاسوس ألماني في قلب القاهرة لم يكن أمامها سوى حسين جعفر أو إبلر وكانت مهمته تتلخص في الحصول على الخطة البريطانية، وأين سيركزون دفاعاتهم، وعدد القوات البريطانية ونوعها، ومدى تعاون الجيش المصري معهم إذا بدأت المعركة؟
وتمكن إبلر من دخول القاهرة عبر عملية اختراق للصحراء، في الملابس العسكرية للجنود البريطانيين، وعلى مشارف أسيوط استبدل ملابسه هو وزميله مونكاسترن واستكملوا الرحلة بعد عدة مغامرات، حتى وصلا إلى القاهرة لتنفيذ مهمتهما، بينما كانت قوات روميل تقف على أعتاب العلمين بعد عدة انتصارات حققها على جيش الحلفاء.. وعند وصولهما إلي مشارف أسيوط تنكر إبلر في صورة ضابط بريطاني، ومونكاستر في شخصية سائح أميركي ، وتحت هاتين الشخصيتين تمكن إبلر وزميله من دخول أحد المعسكرات البريطانية، بل إن قائد المعسكرات أخذهما بسيارة عسكرية لتوصيلهما إلى أسيوط.
وعندما وصلا إلى القاهرة نزلا في فندق شبرد، ليبدأ أول اتصال بينهما والمخابرات الألمانية، ليعلنا الاستعداد لبدء العملية ، وفي ملهي الكيت كات يلتقي إبلر مع حكمت فهمي مرة ثانية، لتؤكد له حكمت فهمي كراهيتها للإنكليز ، ليكشف لها عن شخصيته، وعن مهمة التجسس التي كلفه بها قائده روميل ، وأبدت حكمت فهمي استعدادها للتعاون مع الألمان، واستأجرت له عوامة قريبة من عوامتها، وعندما صعد إبلر لتركيب إريال اللاسلكي، هنا لاحظ وجود جندي بريطاني على سطح عوامة الميجور البريطاني المجاور لهما، فباغته بطلب المساعدة قبل أن يفكر في أي شيء.
السادات والألمان
وخلال أيام قليلة استطاع إبلر أن يوثق علاقته بالميجور البريطاني، دون أن يتسلل إليه الشك بأن هذا الشاب المصري حسين جعفر هو نفسه الجاسوس الألماني إبلر.
وعندما تم القبض على الجاسوسين الألمانيين اللذين يستقبلان الرسائل من القاهرة، قررت المخابرات الألمانية عدم الرد علي إبلر وصديقه مونكاستر، حتى اعتقد إبلر أن جهاز اللاسلكي أصابه عطل مفاجئ، وطلب المساعدة من حكمت فهمي مساعدته عبر شخص تثق به، لإصلاح الجهاز، حتى يتمكن من إتمام عملية التجسس.
وتمكنت حكمت فهمي من الوصول إلى الضابط المصري أنور السادات، عبر صديقه حسن عزت، فوافق على الفور علي إصلاح الجهاز والتعاون مع الألمان، نظراً لكراهيته للإنكليز، وبلا تردد ذهب معها إلى عوامة إبلر لإصلاح الجهاز المعطل، وتأكد السادات أن الجهاز معطل ولا يمكن إصلاحه، إلا أن إبلر قدم له جهازاً أميركياً آخر، كان قد حصل عليه من سفارة سويسرا التي كانت ترعى شئون الألمان في مصر، إلا أنه لا يعرف كيفية تشغيله، واكتشف السادات أن الجهاز بدون مفاتيح، واقترح السادات أن يشغله بمفاتيح مصرية الصنع يقوم هو بتركيبها.
وحمل السادات الجهاز في حقيبته متجهاً إلي بيته في كوبري القبة، بينما استمر إبلر في نشاطه بجمع المعلومات من داخل النوادي الليلية التي يسهر فيها الضباط والجنود الإنكليز، حتى تسرب الشك إلى أحدهم ولكنه عندما قام للإبلاغ عنه، وهو يرتدي الملابس العسكرية الإنكليزية شعر إبلر بالخطروفر هارباً، إلا أن المخابرات الإنكليزية بدأت منذ تلك الليلة تتبع أثره وفي نفس الليلة التقى إبلر بالراقصة الفرنسية ايفيت وهي في حقيقة الأمر جاسوسة كانت تعمل لحساب الوكالة اليهودية في مصر، وفور قضاء ليلتها معه في العوامة أبلغت عنه في تقرير تفصيلي وكشفت عن حقيقة شخصيته الألمانية، عندما سمعته يتحدث مع زميله مونكاستر بالألمانية، وفي ذات الوقت كان جهاز المخابرات البريطاني يبحث عن إبلر وصديقه.
في ملهي الكيت كات
وداخل ملهى الكيت كات التقت حكمت فهمي بالميجور سميث المتيم بها، وفي تلك الليلة تمكنت حكمت فهمي من الحصول منه علي معلومات ثمينة، عندما صارحها أنه مسافر إلي ميدان الحرب علي الخطوط الأمامية، وعلي الفور ألغت حكمت فهمي رقصتها لتقضي السهرة معه في عوامتها، وهناك دست له المخدر في كأس الويسكي لتحصل منه علي أخطر تقرير، يتضمن كافة المعلومات التي يبحث عنها إبلر، فهرولت إليه ومنحته التقرير الذي يحتوي على كافة المعلومات عن القوات النيوزيلندية، ووحدات من جنوب أفريقيا، وأستراليا، بالإضافة إلي وحدة أخرى قوامها 5 آلاف جندي كانت سترسل إلى الإسكندرية، و2500 لغم لتعزيز الخط الدفاعي، وتركيز الدفاع في العلمين نفسها وليس على بعد عدة أميال كما كان يعتقد روميل.
ولكن عند عودة إبلر إلى زميله مونكاستر فوجئ به في حالة اضطراب شديد، وهو يخبره أن صديقيهما الجاسوسين اللذين يتلقيان إشارتهما تم القبض عليهما في السجون البريطانية، وطلبت منهما المخابرات الألمانية في تلك الليلة عدم إرسال سوى المعلومات الهامة وفي الثانية عشرة مساءً تحديداً.
وفي تلك الليلة خرج إبلر وصديقه إلى ملهى الكيت كات، ليلتقيا هناك بالميجور ألفريد وليامز سانوم أخطر رجال المخابرات العاملين في قوات الحلفاء في الشرق الأوسط!!
والذي قدَّم نفسه لهما على أنه عمر بك الرجل الثري الوجيه، ولم يخطر في بال رجل المخابرات في ذات الوقت أنه يجلس إلى جوار أخطر جاسوس ألماني تبحث عنه المخابرات البريطانية ومخابرات قوات الحلفاء، وفي تلك الليلة علمت الراقصة إيفيت الجاسوسة اليهودية: أن المخابرات الإنكليزية تبحث عن جاسوس ألماني في القاهرة، فأبلغت قادتها ورجحت لهم أن يكون هو ذاته حسين جعفر، وعندما ذهبت إلي عوامته عثرت عليه في حالة غير طبيعية داخل عوامته وعندما دخل إبلر إلى إحدى الغرف الجانبية من العوامة، تنامي إلى سمع إيفيت حواراً باللغة الألمانية بين إبلر وصديقه مونكاستر، حول استخدام جهاز الإرسال، وكذا المعلومات الخطيرة التي بحوزتهم، وهنا تأكد لها أنه الجاسوس الذي تبحث عنه المخابرات البريطانية.
وحاول إبلر خنقها وهو يحدثها بالألمانية، ليعرف ما إذا كانت تفهم ما يقوله أم لا، وتظاهرت إيفيت بأنها لا تفهم حديثه لها، وعندما تأكد أنها لا تفهم الألمانية، استدار إلى صديقه مونكاستر مؤكداً له أنها لا تفهم ما دار بينهما في الداخل، ثم وضع إبلر يده في جيبه ومنحها رزمة من الجنيهات الإسترلينية وقضي معها ليلته.
وعندما عادت إيفيت بتلك المعلومات إلي قادتها، ثم إخطار المخابرات البريطانية، ومكاشفتهم بأنهم يبحثون عن جاسوس ألماني، وأن الوكالة لديها كافة المعلومات عنه، وقدم له الدليل من الجنيهات المزيفة التي قدمها إبلر إلي إيفيت ، وأرسلت وكالة المخابرات اليهودية بإيفيت إلي قائد المخابرات البريطانية، لتدلي بما لديها من معلومات حول الجاسوس الألماني، ومن تلك اللحظات بدأت المخابرات البريطانية تحركاتها للقبض على إبلر وصديقه، داخل العوامة الخاصة بهما.
وعندما دق جرس الباب أدرك إبلر بحاسة الجاسوس أن ساعة النهاية قد اقتربت، وحاول مونكاستر إغراق العوامة ، وتم القبض علي إبلر ومونكاستر، وحكمت فهمي فيما بعد ، وحاولت المخابرات البريطانية التوصل إلى شفرة الاتصال بين الجاسوس الألماني وقيادته، وعندما عثروا معه على رواية ريبكا والتي سبق تحريزها مع الجاسوسين الألمانيين اللذين كانا يستقبلان رسالتهما.. تأكد للمخابرات البريطانية أن بين طيات هذه الرواية الشفرة المستخدمة بينهما، إلا أن المخابرات البريطانية فشلت في العثور على الشفرة.
أما حكمت فهمي فلم تكن تعرف بأمر القبض على إبلر وصديقه، وكاشفت المخابرات البريطانية بأن جميع المعلومات والتقارير التي حصلت عليها بحوزة الميجور المخمور سميث تم إرسالها إلى روميل عبر صديقها إبلر، ولم تعد خططهم سرية ورغم القبض على إبلر وصديقه، إلا أن محطة التجسس الألمانية في القاهرة استقبلت رسالة مشفرة، ولم تكن سوى تلك الرسالة سوى خدعة أرسلتها المخابرات البريطانية إلى روميل لتضليله، وعندما وصلته تلك الرسالة جعلته يغير خططه الميدانية.
القبض على السادات
وعندما علم السادات بالقبض على الجاسوس الألماني وصديقه، حاول إخفاء جهاز اللاسلكي -دليل الاتصال بالجواسيس الألمان، وذهب إلى صديقه حسن عزت بحي شبرا إلا أنه لم يجده، وعاد ليخفيه في حجرته، وفي فجر ذات اليوم داهمت قوة من الضباط الإنكليز والمصريين منزله، وتم تفتيشه، إلا أن السادات تمكن من تهريب جهاز اللاسلكي بواسطة شقيقه الأكبر طلعت، وتم إيداع السادات في سجن الأجانب ، كما تم القبض على صديقه حسن عزت، وتمكن السادات من إطلاع زميله حسن عزت على تفاصيل القضية، حتى لا تتناقض أقوالهما في التحقيقات.
وتعرف إبلر ومونكاستر على السادات داخل طابور طويل من الضباط، وأنكر السادات معرفته بإبلر، أو حسين جعفر، وزعم في التحقيقات أنه تعرف عليه باعتباره (ميجور) بريطاني يدعي إبراهام، وهو الأمر الذي أربك مجلس التحقيق، وأكد في التحقيقات أنه قَّدم نفسه وصديقه على أنهما من ضباط الإشارة الإنكليزي، وباغت السادات إبلر بعدة أسئلة هجومية للدفاع عن نفسه، زاعماً أنه لو كان يعلم بأنه ضابط ألماني لأبلغ عنه، واستمر في مراوغته حتى تمكن من تضليل مجلس التحقيق، وإرباك الجاسوس إبلر أيضاً، ولم يتمكن المحققون من إدانة السادات وصديقه حسن عزت في القضية ، مما دفع رجال المخابرات البريطانية ممارسة ضغوطهم على والده حتى يعترف، وفشلت محاولتهم تلك في إثناء السادات عن أقواله أو الاعتراف بالتعاون مع الجاسوس الألماني.
وعندما عادت إدارة الجيش المصري لممارسة ضغوطها على والد السادات قال لهم: إذا كان ابني مخطئ فأطلقوا عليه الرصاص وتم الاستغناء عن خدمات السادات بقرار ملكي -كضابط في الجيش المصري- وتم خلع الرتب العسكرية من على كتفه ، وداخل سجن الأجانب التقى جميع أطراف قضية التجسس، إبلر وصديقه مونكاستر وحكمت فهمي والسادات، ورفيقه حسن عزت.
ويكشف الكاتب عن سر خداع البريطانيين لروميل، وذلك عندما وصل وينستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا إلى مصر، وطلب رؤية الجواسيس الألمان، ووعدهما بألا يحكم عليهما بالإعدام إذا اعترفا وباحا للمخابرات البريطانية بسر الشفرة، وهو الأمر الذي أدى إلى خداع روميل ثعلب الصحراء.

السادات في المعتقل
وفي معتقل فاقوس بالمنيا جنوب مصر التقى السادات بالأخ غير الشقيق لحسين جعفر داخل السجن، وتعلم منه الألمانية خلال تسعة أشهر، حتى أتقنها تماماً ، وانتقل السادات مرة أخرى إلى معتقل الزيتون في عام 1943، والتقى هناك بالضباط المناهضين للإنكليز، كما التقى بأعضاء الأحزاب المنشقة عن الوفد، والنحاس باشا، ومن أغرب الحالات التي التقى بها السادات أحد المطبعجية، والذي كلما أفرجت السلطات عنه يطبع منشوراً جديداً ضد الحكومة ليعود مرة أخرى للمعتقل ، فقط لأنه يفضل عيشة المعتقل عن الحرية، لأنه يتقاضى راتباً شهرياً قدره 7 جنيهات!! ، بينما كان السادات وصديقه حسن عزت يرفضانه، باعتباره مسألة مهينة للكرامة.
وداخل معتقل الزيتون قاد السادات حركة تمرد ضد قومندان المعتقل العنيف الطباع، ليحضر له القومندان إلى زنزانته فيما بعد مهدداً إياه بالقتل بمسدسه وقرر السادات أن يؤدبه، وتمكن فيما بعد من الوصول إلى غرفة القومندان عبر النافذة، رغم الحراسة المشددة حوله وهدده السادات بالقتل، وكان يريد أن يعطيه درساً، ولم يمسسه بأذى وعاد السادات مرة أخرى إلى غرفته.وفي تلك الأيام أضربت حكمت فهمي عن الطعام، حتى ساءت حالتها النفسية، وتمكنت من الخروج من السجن بعد أن دفعت رشوة مالية قدرها 200 جنيهاً.
بينما عاد إبلر وصديقه مونكاستر إلي ألمانيا..
أما السادات فقد أثار الرأي العام داخل معتقل الزيتون، حتى يتم الإفراج عنه وصديقه حسن عزت، وقاد السادات حركة عصيان داخل المعتقل وأطلق عليهم الجنود الرصاص، وقرر السادات وحسن عزت الهروب مع ستة من المعتقلين، لتأديب القومندان، وتمكنوا جميعاً من الهروب ، وفي اليوم التالي لهروبهما، توجها إلى قصر عابدين -السادات وحسن عزت- ليسجلا احتجاجهما على المعاملة في المعتقل، وطالبا الملك بألا يخضع للسلطة البريطانية، ووقعا على مطالبهما باعتبارهما معتقلين في معتقل الزيتون وأكدا أنهما سيعودان للمعتقل مرة أخرى بمحض إرادتهما لتتحسن معاملة المعتقلين بعد نقل القومندان.
محاولة أخرى
ولم تكن تلك المحاولة الأخيرة للهروب التي قام بها السادات، بل كانت هناك محاولة هروب حقيقية، عاش خلالها السادات حياة مثيرة مليئة بالمغامرات، وذلك عقب إفراج حكومة أحمد ماهر عن معظم المعتقلين دون أن يشملهم الإفراج، فأضرب عن الطعام، وتم نقله إلى مستشفي قصر العيني، وكان حسن عزت قد تمكن من الهرب من معتقل المنيا، وحضر لزيارته، فأخبره السادات بأنه يعد خطة للهروب، وعاونه حسن عزت بإحضار سيارته ودسها بين سيارات الأطباء، وترك موتور السيارة دائراً، وتمكن السادات من الهروب واستقلاله سيارة حسن عزت، وانطلق بها ليختبئ لدى حسن عزت، ليعيش لمدة عام حياة مليئة بالأحداث المثيرة، فعمل حمالاً علي عربة لوري لدي زميله حسن عزت، ونقل الخضراوات والفاكهة إلى معسكرات الإنكليز، كما عمل في نقل الأحجار في المراكب النيلية القادمة من أسوان، وانتقل السادات خلال فترة هروبه بين عدة مدن وقرى ، متنكراً في شخصيات مختلفة، وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية سقطت الأحكام العرفية، لتنتهي فترة هروب الضابط الشاب أنور السادات، والتي وصلت إلي ثلاث سنوات، ليعود إلي بيته، ليُكوِّن فيما بعد جمعية سرية، قامت باغتيال أمين عثمان، الصديق المقرب للإنكليز ليتم القبض على السادات مرة أخرى.

جاسوسية(ماكسويل .. الاعلامي الجاسوس)

ماكسويل .. الاعلامي الجاسوس
 
الموت أثار شكوك الإعلام حول الطريقة التي توفي بها ماكسويل.هل انتحر بسبب الأزمة المالية التي كان يمكن أن تغرق إمبراطورية الإعلام ؟ أم قتل على يد فريق يخته أو من خلال جنود عبروا أمام اليخت؟.
 
تشريح الجثة لم يثبت ما إذا كان قتل أوغرق بسبب عدم وجود مياه في رئتيه ودون تحديد سبب الوفاة فإن جثة ماكسويل نقلت إلى القدس حيث دفنت في جبل الزيتون، ولكن بجانب غموض الكيفية التي مات بها بارون الإعلام البريطاني غريب الأطوار فان موته فتح ملف إمبراطورية الإعلام الضخمة التي كان يملكها أمام التدقيق والتحقيق. وخلال حياته جعل ماكسويل النقاد يرزحون تحت ثقل دعاوى قضائية وبضغط من مجموعة القوانين البريطانية القاسية. ولكن بموته تغير الأمر ووجد مراقبو الحسابات أنه، نهب أموال تقاعد موظفيه وارتكب خداعاً مالياً واسع الانتشار، كما قادت وفاته إلى متاهة أمن قومي بريطاني. في هذه الزوايا المبهمة كان ماكسويل يهودي هرب من “الهولكوست” وصنع حياته كرجل أعمال معروف يمكنه أن ينساب من جانب إلى آخر عبر الستار الحديدي.
 
وخلط بين الصحافة والدبلوماسية، وفي عهد ريجان وبوش الأب عمل بقرب “إسرائيل وجند محافظين أمريكيين بارزين مثل السيناتور السابق جون تاور أحد اقرب الحلفاء لبوش. وفي نهاية الحرب الباردة كان ماكسويل الرجل الناصح لبوريس يلتسين حول كيفية مقاومة الانقلاب من المتشددين الشيوعيين وتمرير رسائل إلى مستشار الأمن القومي في عهد بوش الأب برنت سكوكروفت.
 
وغموض ماكسويل كان موضوع الكتاب الجديد الذي نشر في انجلترا وكتبه روسيل دايفيز بعنوان الجسد الأجنبي: الحياة السرية لروبرت ماكسويل وهو مساهمة في التاريخ الأمريكي الحديث وخاصة ليختبر مصداقية ابرز الشهود الخادعين في فترتي ريجان وبوش الأب وهو رجل الاستخبارات العسكرية “الإسرائيلي السابق آري بن ميناش. الذي كان قد ظهر على السطح عام 1990 بعد اعتقاله في الولايات المتحدة لمحاولة بيع طائرات شحن من طراز   C-130   لايران.
 
ومن بين اتهامات أخرى فان ماكسويل وأحد محرريه في صحف الميرور البريطانية ساعدا وسطاء في شحن الأسلحة “الإسرائيلية من الكتلة الشرقية إلى وجهات دولية متعددة منها إيران. فيما يخص بن ميناش كان ماكسويل اللاعب الأساسي في بناء روابط “إسرائيلية سرية دبلوماسية واستخبارية مع موسكو.
 
كان بن ميناش قد ورط أيضا تاور على انه تعاون في شبكة ماكسويل الدبلوماسية الصحافية.وأن “اسرائيل” اتهمت رجل الاستخبارات المركزية الأمريكية روبرت جيتس والرئيس بوش الأب للمشاركة في صفقات سرية للشرق الأوسط ترجع إلى فترة حملة “ريجان- كارتر” عام 1980و من المذهل أن يدعي بن ميناش انه شهد أن جيتس وبوش دخلا في مفاوضات مع الإيرانيين من اجل تقويض جهود كارتر لتحرير الرهائن الأمريكيين ال 52 الذين احتجزوا في إيران عام 1980.
وبجميع المقاييس كان بن ميناش شاهداً مثيراً للجدل وعندما وجه اتهاماته في مقابلة مع الصحافيين والمحققين من الكونجرس فان ادعاءاته قوبلت برفض واسع وسخرية، وكانت شهادته للمهمة السرية من قبل تاور وجيتس وبوش وماكسويل بدت مثل خيال متقن من روائي أدب جاسوسية فاشل. ومن جهتها فان حكومة الليكود “الإسرائيلية أنكرت أن بن ميناش عمل مع استخباراتها العسكرية.
 
ولكن في عام 1990 نشر بن ميناش رسائل تشير إلى دليل على انه عمل من 1977 إلى 1987 في مكتب الاستخبارات العسكرية “الإسرائيلية. وفي مواجهة هذه الرسائل غيرت “إسرائيل قصتها واعترفت أن بن ميناش عمل معها ولكن أصرت على انه كان فقط مترجماً بسيطاً لم يسافر أبدا في مهام حكومية.
 
الخط الجديد من الدفاع كان من الجمهوريين والمحافظين في وسائل الإعلام التي أكدت أن كلام بن ميناش ليس إلا هراء وأن من يجرؤ على اخذ قصصه محمل الجد شخص ابله. لكن القصة “الإسرائيلية كان لها مشاكلها. حتى ضباط الاستخبارات العسكرية “الإسرائيلية اعترفوا أن بن ميناش كان اكبر لاعب في الدور الذي سمحت له به الحكومة.
 
ومع ذلك كان شخصية متبجحة ووعد المحققين بأكثر مما قدمه لهم وادعاءاته ضد بوش وجيتس واجهت أيضا انكارهما الشديد أما تاور الذي كان المحقق الداخلي في قضية إيران كونترا فقد توفي بعد حادث طائرة في ابريل/نيسان عام ،1991 وفي وقت وفاته كان يعمل مع دار نشر ماكسويل بمرتب 200 ألف دولار سنويا.
 
مصداقية بن ميناش غرقت اكثر عندما اتهم ماكسويل بالعمل الاستخباري لحساب “إسرائيل إذ ادعي أنه ومحرره الخارجي الأنيق نيكولاس دايفيز رتبا أسلحة وساعدا “إسرائيل في تشويه سمعة موردخاي فعنونو عندما حاول هذا العالم المرتد أن يفضح تفاصيل برنامج تسلح “إسرائيل النووي السري.
وعندما قام الصحافي البارز سيمور هيرش بتضمين ادعاءات بن ميناش حول ماكسويل ودايفيز في كتابه “خيار سمسون” قاضى كلاً من ماكسويل ودايفيز هيرش والناشر البريطاني. وانضم الصحافيون في بريطانيا مثل نظرائهم في واشنطن إلى السخرية من بن ميناش وهزوا رؤوسهم سخرية من سذاجة هيرش، ولكن تطوراً ساخراً في جبهة ماكسويل ودايفيز حدث عندما قدمت صديقة دايفيز السابقة وثائق تعزز بعضا من ادعاءات “بن ميناش” حول تهريب الأسلحة. وفي إحدى هذه الوثائق تسرد رحلة دايفيز إلى اوهايو التي كان المحرر أنكرها من قبل.
 
ومن وراء الأحداث قام ماكسويل بشق صدوع  في إمبراطوريته المالية، ووسط الأزمة المتنامية قرر ماكسويل أن يبحر في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1991 وبعد يومين اختفى.
 
وبعد وفاته حولت صحف الميرور الدعوى ضد هيرش بان عبرت عن صحة المعلومات التي وردت في كتابه وقدمت له تسوية مالية.
 
ورغم أن الكتاب الجديد “الجسد الخارجي” أكد صحة مزاعم بن ميناش فانه إلى جانب ذلك أكد العديد من جوهر ماكسويل الحقيقي. الكتاب أيد مزاعم بن ميناش على سبيل المثال في أن رئيس الوزراء “الإسرائيلي إسحاق شامير استخدم ماكسويل ليساعده في علاقة دبلوماسية مع موسكو وكانت استراتيجية شامير كما قال بن ميناش لها غرض مزدوج من زيادة هجرة اليهود السوفييت وتقليل العداء السوفييتي نحو الدولة اليهودية ومن أجل هذا الغرض عمل ماكسويل عميلاً ممتازاً ويتفق مع هذا المؤلف روسيل ديفيز.
 
وفي مقابلة مع إسحاق شامير عام 1993 تلقى سؤالاً حول تكريم ماكسويل ودفنه في جبل الزيتون وما إذا كان هذا يؤكد انه كان يقدم خدمات خاصة ل “إسرائيل أجاب بشكل ملتو والذي كان قد حضر بنفسه جنازة ماكسويل “على ما يبدو لم يكن ماكسويل من النوع الذي يمتع نفسه في حياته وقد أردنا تكريمه”  كما أن روسيل ديفيز كتب أن نهاية ماكسويل على الأرجح نتجت من أوضاعه المتزايدة كمسؤول عن المصالح القوية لدولة “إسرائيل وانه لعب دور مسرب للمال والأسلحة والمعلومات. ماكسويل كدس الكثير من الأسرار وكان يملك إيذاء العديد من الأشخاص البارزين.
 
ووفق كتاب “اغتيال لوبرت ماكسويل الجاسوس الإسرائيلي من تأليف الصحافي البريطاني جور دون تماس والايرلندي ماران تديلون فان المواد قتلت ماكسويل خوفا من أن يكشف أسرار “إسرائيل النووية ما لم تقدم له العون في إنقاذ إمبراطوريته المنهارة. والكتاب يعتمد على مقابلات مع عملاء سابقين للموساد وضباط استخبارات سابقين بريطانيين وأمريكيين وبلغاريين أكدوا أنه كانت تربطه علاقات عالية المستوى مع سياسيين ورجال أعمال بارزين في الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق وبلغاريا و”اسرائيل”. ويورد الكتاب انه قتل على يد عملاء الموساد الذين اختطفوا يخته الخاص في الظلام وحقنوه بمادة قاتلة في عنقه ثم أعادوا جسده على سطح اليخت وتركوه في عرض البحر.وأن ماكسويل لم يستعد لهذا لأنه في تلك الفترة بالذات كان يتوقع رزمة مالية سوف تمنح له سرا على اليخت من قبل الموساد وذلك بعد بداية تهديده للوكالة الاستخبارية “الإسرائيلية بفضح أسرارها إذا لم تنقذه من ورطته المالية.
 
ووقت وفاته كان على علاقة قوية بمارجريت تاتشر في داوننج ستريت ورونالد ريجان في البيت الأبيض كما كانت له علاقات قوية في الكريملين وجميع أروقة السلطة في أوروبا.
 
وبنى لنفسه منصباً من القوة داخل الأسر الإجرامية في أوروبا الشرقية وعلمهم كيف يبيضون أموالهم من تهريب المخدرات وتهريب الأسلحة والدعارة في مخابئ آمنة حول العالم.
 
و نقل جميع الأسرار التي عرفها إلى الموساد في تل أبيب. وفي المقابل احتملوا غروره وتجاوزاته ونهمه الذي لا سبيل إلى إرضائه في المال والنساء.
 
وفي المقابل كان السفير “الإسرائيلي غير الرسمي إلى الكتلة الشيوعية وتمكنت الموساد من الاستفادة من ذلك إلى أقصى حد.
 
وعرف العديد من الأسرار المهمة في الإمبراطورية السوفييتية ومنح افضل الفرص ليكون الجاسوس الكبير للموساد والذي ساعد على سرقة أهم قطعة من برامج العقل الإلكتروني في ترسانة الأسلحة الأمريكية وقد منح ماكسويل مهمة تسويق البرامج المسروقة التي كانت تسمي بروميس، وأعادت الموساد بناء البرنامج وأدخلته في أداة مكنتها من تتبع أو اقتفاء اثر أي عملية شراء تحدث له.
 
وبهذا كانت الموساد تعرف تماما ما كان يحدث في وكالات الاستخبار التي تشتريه. وكان ماكسويل قد باعه إلى 42 دولة منها الصين ودول الكتلة الشيوعية ولكن النصر الكبير كان بيعها في قلب نظام الدفاع النووي الأمريكي.
ولكن كلما ازداد نجاحه اصبح معرضا للمزيد من المخاطر ومصدر قلق متزايد للموساد وفي نفس الوقت كانت امبراطورية ماكسويل المكونة من 400 شركة بدأت في الانهيار والتحلل.
 
فقد انفق ببذخ وفقد أمواله في صفقات خاسرة وكلما زادت خسارته حاول أن يسترد أمواله من البنوك ثم رأى أخيرا سبيلاً إلى حل مشاكله، وتمكن من الوصول إلى فلاديمير كروتشوف رئيس ال  KGB   وتقابلا في سرية في الكريملين وقدم كروتشوف عرضاً استثنائياً اذ أراد من ماكسويل أن يساعده في الاطاحة بميخائيل جورباتشوف الزعيم السوفييتي الاصلاحي حتى تنتهي الديمقراطية الوليدة وتعود أيام الحرب الباردة.
 
في المقابل كانت ديون ماكسويل الضخمة سوف تسدد من خلال كروتشوف الذي كان يخطط ليحتل موقع جورباتشوف.وكانت خطته ذهاب “الإسرائيليين إلى واشنطن ويقولوا إن الديمقراطية لا تصلح لروسيا وانه من الأفضل السماح للبلد بالعودة إلى شكلها المعدل من الشيوعية التي يمكنها أن تساعد أمريكا في احتوائها وفي المقابل كروتشوف سوف يضمن أن يحرر مئات الآلاف من اليهود والمعارضين في الجمهوريات السوفييتية.
 
وقال كروتشوف لماكسويل انه سيكون منقذ اليهود وكان عرضاً لا يمكن رفضه ولكنه عندما قدمه للموساد أصيب رجالها بالذعر وأكدوا أن “اسرائيل” لن تتدخل في هذه الخطة المتهورة.وكانت تلك هي المرة الأولى التي يفشل فيها ماكسويل في تنفيذ خططه وبدأ يهدد ويتوعد وعندها طلب مقابل خدماته السابقة مبلغ 400 مليون جنية استرليني ليتمكن من الخروج من مأزقه المالي، ولكن الموساد بدل من أن تقدم له المال وضعوا خطة لقتله لأنهم شعروا انه بدأ يفقد قدرته في السيطرة على عقله وكان يتناول مجموعة من العقاقير المهدئة التي كان لها آثار سلبية خطيرة.
 
وكما قال عميل سابق للموساد في ليلة باردة انتهت مشاكل الموساد مع روبرت ماكسويل”

25 أكتوبر, 2010

من ملفات الجاسوسية . قوانين رقيقة

من ملفات الجاسوسية . قوانين رقيقة

٢٠ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٣بقلم فريد الفالوجي

لم يسلم لبنان .. ذلك القطر العربي الصغير على مدار حقبة طويلة من تاريخه، من مكائد الصهيونية وأطماعها، فمنذ أخذت الحركة الصهيونية تستعد لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين، وضعت في مقدمة برامجها التوسعية. . السيطرة على مناطق حيوية في لبنان خاصة المناطق الجنوبية منه. . حيث منابع مياه نهر الأردن، ومجرى نهر الليطاني ومصبه، وما تمثله تلك المنطقة من أهمية بالنسبة لأمن الدولة الصهيونية . . واستراتيجيتها العسكرية.
لقد جاء في التلمود "إن الله أعطى عهداً لإسرائيل باحتلال أراضي الجبلين وجميع أنحاء لبنان وتقسيم هذه الأراضي على أبناء إسرائيل". لذلك نجد أن المطامع التوسعية في لبنان الجنوبي تحتل المرتبة الأولى في مخططات الصهيونية منذ حقبة طويلة.
وعقب الحرب العالمية الأولى ترأس اليهودي "هربرت صموئيل" وفد بريطانيا في مباحثات السلام، ونادى بمد حدود الدولة اليهودية في فلسطين الى شمالي صيدا وإدخال مدينة "صيدون" القديمة ضمن أراضي اليهود. وبهذا يشمل الساحل الفلسطيني ضواحي تتبع مدينة بيروت نفسها، وتسارع بريطانيا بتأييد هذا المطلب وتعيين صموئيل كأول مندوب سام لبريطانيا في فلسطين.
وبعد ترسيم المنطقة فيما بعد بواسطة فرنسا وبريطانيا، أظهرت الصهيونية سخطها على الاتفاق المعقود بين الدولتين، ذلك الاتفاق الذي أفقد الصهيونية "الليطاني، والأردن الأعلى، وجبل الشيخ، وحوران". ولم تتراجع الصهيونية عن محاولتها للاستيلاء على تلك المناطق، مدفوعة بالعقيدة الصهيونية والتاريخ المزيف، ومدفوعة أيضاً بالحاجة الاقتصادية والسيطرة العسكرية.
كان من الطبيعي إذن أن تستغل إسرائيل شتى السبل لابتلاع الأرض العربية من أهلها الأصليين، ومن بين تلك السبل – الجاسوسية – والإجرام. إذ أنه مع بداية العام 1920 بدأ التحول الكبير في تاريخ المنطقة العربية بانتقال الصهيونية الى مرحلة أرقى من ذي قبل. تلك المرحلة التي حملت روح العقيدة الإجرامية المتمثلة "بالتجمع والاقتحام" واستخدام السيف والدمار، وتشكيل الهيئات السرية والمنظمات الارهابية.
إنه عام أطلق عليه "عام الدماء الأولى" حيث قُتل في هذا التاريخ "يوسف ترمبلدور" رفيق "جابوتنسكي" بعد اشتباكات مع العرب قرب الحدود الشمالية. وحزن عليه اليهود حزناً شديداً كما تعاهدوا على الأخذ بثأره؟ وهذا ما دفع جابوتنسكي لاقتراف مذبحة "يوم النبي موسى" في 4 أبريل 1920.
ولما اعتقل جابوتنسكي بحجة التسلل وتهريب السلاح، تدخل هربرت صموئيل وأفرج عنه، فأطلقوا على صموئيل – المندوب السامي البريطاني – اسم "امير إسرائيل الأول" ولقبوه أيضاً بعيزرا الثاني "بعد السبي البابلي".
وجاء مؤتمر "سان ريمو" بعد واحد وعشرين يوماً من "مجزرة الدماء الأولى" ليكرس اتفاقية "سايكس – بيكو" تكريساً قانونياً، توزع بموجبه الانتدابات على دول المنطقة، وليجعل فلسطين من حصة بريطانيا، فتتعاون الصهيونية مع نظام الانتداب الجديد بحرية أكثر، وتنتهز الفرصة تلو الأخرى حتى يتم لها السيطرة وإقامة دولة إسرائيل، وأسفر هذا التعاون عن ظهور تنسيق كامل بينهما في المصالح والرغبات، وإنشاء مراكز تجسسية في المنطقة تخدم مطامعها المشتركة.

مؤامرة قصر يلدز

"إذا تجزأت إمبراطوريتي يوماً ما، فإنكم قد تأخذونها بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي، وهذا أمر لا يكون".
هكذا أجاب السلطان العثماني عبد الحميد الثاني "1876 – 1909م" على مطلب تيودور هرتزل بمنح اليهود حق سكنى فلسطين واستثمارها . . في أول وآخر مقابلة بينهما عام 1897.
ولما فشل اليهود مع السلطان عبد الحميد الثاني بأسلوب المكر والخديعة والرشوة، بدأوا في تنفيذ مخططاتهم السرية التي جاءت في "بروتوكولات حكماء صهيون" BROTOCOLSO OF LEARNED ELDERS OF ZION والتي نشرها بالروسية لأول مرة "سيرجي نيلوس عام 1902" فافتضحت نيات اليهود الإجرامية، وجن جنونهم خوفاً ورعباً، وعمت المذابح ضدهم في أنحاء روسيا، حتى لقد قتل منهم في إحداها عشرة آلاف يهودي مرة واحدة، واشتد هلعهم لذلك كله فقام هرتزل بإنكار ما جاء بالبروتوكولات، والادعاء بأنها ليست من عملهم.
ومع محاولات اليهود الجبارة إخفاء أمر البروتوكولات، انتشرت تراجمها بلغات مختلفة، فأقبلوا يشترون نسخ الكتاب من أسواق الدول بأي ثمن . . وعجزوا برغم نفوذهم وتهديداتهم، وانتشرت في ذلك الوقت مقولة "اليهودية فوق الجميع" JEWRY UEBBER ALLES بدلاً من "ألمانيا فوق الجميع" الذي جعلته ألمانيا شعارها أيام ازدهارها، وظل اليهود يعملون في الخفاء لتقويض نفوذ السلطان العثماني . . الذي أصدر قرارات تمنع استيطان أي يهودي جديد في فلسطين، وتمنع الهجرة اليهودية اليها.
فكان بذلك يقف حجر عثرة أمام أطماعهم وحلمهم الأ‘ظم في بناء الدولة الصهيونية، الى أن قام اليهودي "عمانوئيل قره صو" – أحد موظفي قصر يلدز YALDES العثماني – بتسليمه قرار خلعه عام 1909، لتحاك بعد ذلك أبشع مؤامرة لابتلاع أرض فلسطين وتشريد شعبها.
بيد أن ذلك ما كان يتأتى لليهود إلا بالدسائس والمؤامرات والرشوة، والاستعانة بيهود الدونمة وبأمهر الجواسيس، لتفحص مواضع الضعف في جيش الإمبراطورية بمعاونة جهاز المخابرات البريطانية، حيث كانت أطماع البريطانيين في المنطقة العربية لا حدود لها.
لذلك فقد أثارهم التعاون الوثيق بين ألمانيا والامبراطورية العثمانية، وقيام المهندسين الألمان بإقامة خطة سكة حديد برلين – بغداد، وهو الخط الذي كان مقدراً له أن يصل الى البصرة على الخليج العربي. وكانت البصرة في ذلك الوقت ميناء البترول الذي تتحكم فيه شركة البترول الانجليزية الإيرانية. فكان معنى ذلك أن نفوذ ألمانيا في تركيا – صاحبة الولاية في المنطقة – سيؤدي حتماً الى تقلص الوجود البريطاني .. والقضاء على أطماع البريطانيين في الشرق.
لذا فقد كان من الضروري العمل على تثبيت اليهود في المنطقة، وما كان ليتم ذلك للبريطانيين إلا بالخديعة وعمل المخابرات والجاسوسية.
ونظراً لتشابك الأطماع والمصالح – فالتعاون بين البريطانيين والصهيونية – ZIONISM - أمر مفروغ منه. حيث برع اليهود دائماً على مر الأزمان في اللجوء الى المكر والخديعة والتجسس . . لاستخلاص مصالحهم والوصل الى مآربهم.
وإذا تعرضنا للجاسوسية الصهيونية في لبنان أثناء الحرب العالمية الأولى، إبان حكم الدولة العثمانية، لرأينا مدى تشدد الأتراك حينذاك في مسألة الاختراقات والتجسس، وتعقب أعوان الصهيونية من الجواسيس وإعدامهم بلا شفقة، بل إن محاكمات البعض منهم كانت لا تستغرق سوى سويعات فقط، ينفذ بعدها حكم الإعدام في الحال، حتى أن بعضهم – في حالات قليلة – مات دون محاكمة أثناء التعذيب القاسي الشديد، مما يدل على مقت الأتراك للجاسوسية، ومحاولة ردع العملاء والخونة بعقوبات قاسية لا ترحم، ولا تحتمل التخفيف أو التسويف.
ولرأينا أيضاً أن حالات خاصة جداً، كان مصير الجواسيس فهيا بشعاً الى أقصى تصور، كمصير الجاسوسي الصهيوني "التر ليفي" الذي قطعوا جسده وهو حي بالساطور، وإبراهام واتنبرج – الأعرج – الذي أبقوه مزروعاً فوق خازوق لعدة أيام في عالية بيروت.
غيرهما كان هناك جواسيس آخرون لاقوا نهايات تفنن فيها الأتراك تنكيلاً بعدما زاد عدد عملاء الصهيونية وتفشى خطرهم.
لكن الحال تبدل في لبنان منذ استقلاله، فالعقوبات الجنائية التي سنها المشرع – الخاصة بمحاكمة الجواسيس – إذا قيست بغيرها في الدول العربية، لوجدناها لا تفي بالمطلوب منها وهو الردع القاسي لمرتكبي جريمة التجسس، ذلك أن لبنان بلد اقتصادي حر، لديه حرية تامة للالتقاء بمختلف التيارات الفكرية والحزبية.
إذ عمد منذ استقلاله على الانفتاح على العالم ومنح الحرية في الإقامة والتنقل، وسرية الحسابات في البنوك، فضلاً عن الاهتمام بالعملية السياحية والترفيهية للزوار ..الذين يقوم اقتصاده على مقدار ما ينفقونه في الملاهي والفنادق.
لكل تلك الأسباب، ضجت بيروت بالجواسيس مع انشغال الأمن العام هناك بالحفاظ على إيقاع الهدوء، والانفراجة السياحية التي تشهدها البلاد الأكر تفتحاً في الوطن العربي واستمر ذلك حتى يونيو 1967.
ففي أعقاب النكسة تغير الوضع كثيراً، خاصة بعد تدفق الفصائل الفلسطينية المسلحة الى لبنان، والتسلل من جنوبه صوب إسرائيل للقيام بعمليات فدائية وتفشي موجة من التفجيرات أرقت الشارع اللبناني .
تغير الوضع أيضاً بعدما حدث نوع من التعاون الوثيق بين أجهزة المخابرات السورية واللبنانية والفلسطينية، أثمر نتائج مدهشة عندما سقط العشرات من عملاء إسرائيل في لبنان، جميعهم استفادوا من القوانين غير الرادعة، والعقوبات التي قد تصل في النهاية الى طرد الجواسيس خارج البلاد .
لقد انتبه المشرع في لبنان لميوعة المواد العقابية المتعلقة بأعمال الجاسوسية، فعدلت بعض القوانين في يناير 1975، لإحداث نوع من التوازن ما بين الجرم والعقاب، لكن التعديلات لم تنص صراحة على إعدام الخونة والجواسيس ، لبنانيين أو أجانب.
وإذا عدنا الى الوراء، وبالتحديد الى الخمسينيات من القرن الماضي، لرأينا كم كانت الجاسوسية الإسرائيلية في لبنان منتشرة على أوسع نطاق، وتستخدم كل طرق التفشي والانتشار لخلق أرضية واسعة من الخونة اللبنانيين، تدفع بنشاطها الى الديناميكية من أجل التغلغل بين الأوساط الاجتماعية المختلفة، مستخدمة في ذلك شتى أساليب السيطرة بالمال والجنس، اعتماداً على فتيات يهوديات يتميزن بجمال مفرط، وأنوثة يانعة طاغية، وقوانين عقابية لا تقل رقة ووداعة عن نسائها.