الأربعاء، 27 أكتوبر، 2010

في كتاب السادات والجاسوس أغرب قضية جاسوسية أبطالها رئيس مصري وألمانيان وراقصة

في كتاب السادات والجاسوس
أغرب قضية جاسوسية أبطالها رئيس مصري وألمانيان وراقصة
في أحد ملاهي النمسا الليلية تمكنت المخابرات الألمانية من نسج خيوطها حول الراقصة المصرية حكمت فهمي، بعد أن دفعت إليها بالجاسوس الألماني ابلر حسين جعفر، ولكنها عندما عادت إلى القاهرة اكتشفت أنه الجاسوس الألماني إبلر ليربط بينهما كراهيتهما للإنكليز، ومن جانبه حبه لبلاده، وحينما تعطل جهاز اللاسلكي تمكنت حكمت فهمي من استدعاء الضابط أنور السادات الوطني الثائر لإصلاح الجهاز ، ليرتبط السادات مع حكمت فهمي والجاسوس الألماني إبلر بأكبر قضية تجسس في ذلك الوقت.الكاتب الصحفي محمود صلاح يكشف لنا من خلال كتابه السادات والجاسوس العلاقات المتشابكة ما بين حكمت فهمي والمخابرات الألمانية، وكيف اشتعلت ثورية الضابط أنور السادات لتجنيده لخدمة الألمان، بعد أن جمعهما كراهيتهما للإنكليز .. كما يكشف عمليات الاعتقال المتكررة، والحوادث والمغامرات المثيرة لحياة الرئيس الراحل أنور السادات، وعلاقته بجماعة الإخوان، والكثير من الأحداث المثيرة منذ الحرب العالمية الثانية حتى هروبه من المعتقل..ويتناول الكتاب قصة حياة الضابط المصري أنور السادات منذ بداية الحرب العالمية الثانية بين دول المحور، والحلفاء وفي مقدمتهم بريطانيا التي كانت تحتل مصر.كما يتناول النشأة الأولى للسادات في قريته ميت أبو الكوم منذ عام 1918 وانتقاله فيما بعد إلى حي كوبري القبة بالقاهرة والحياة الفقيرة التي عاشها، ويرصد الكاتب وطنية السادات المبكرة بكراهيته لمشهد الكونستابل الإنكليزي وهو يجوب شوارع القاهرة.
ومن المتناقضات أنه رغم كراهية السادات للإنجليز، فقد أتاحت له وساطة أحد الأطباء الإنكليز دخول الكلية الحربية وبعد عامين تخرج السادات من الكلية الحربية وهو يراوده الحلم بالثورة ضد الإنكليز.
وفي منقباد التقى السادات مع الضابط جمال عبد الناصر لأول مرة، ،كان عبد الناصر ينصت له ولا يتكلم إلا القليل، لأنه كان لا يميل إلى المزاح، ولأنه يقيم حاجزاً بينه وبين الآخرين، وهو الأمر الذي دفع السادات للإعجاب بشخصيته.
السادات والإخوان
ويكشف الكاتب عن قوة علاقة الضابط أنور السادات بجماعة الإخوان المسلمين، وذلك من خلال التزامه الشديد بحضور درس الثلاثاء، الذي كان يلقيه الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين، وأثار التزامه بحضور الدرس الأسبوعي انتباه الشيخ حسن البنا، مما دفعه إلى التحفظ في الحديث معه في البداية، حتى صارحه السادات ذات يوم بأنه يسعى إلى عمل تنظيم عسكري لقلب الأوضاع في البلد!!
إلا أن الشيخ البنا التزم الصمت رغم دهشته من تلك الصراحة المذهلة، فقد خشي البنا أن يكون السادات مدسوساً عليهم من المخابرات!! إلا أنه عندما كاشفه السادات بمخططات الجيش في التحرك للثورة هنا تخلى الشيخ حسن البنا عن حذره تجاه السادات، وبدأ التنسيق بينهما للثورة على نظام الحكم الملكي.
عزيز المصري
ولما كان السادات مفتوناً بشخصية عزيز المصري، فقد سعى لدي الشيخ حسن البنا لتقديمه إلى الفريق عزيز المصري، وشجعه عزيز على المضي قدماً في تنظيمه السري، وانضم إليه زملاؤه ، حتى اضطرت إدارة الجيش الإنكليزي إلى انسحابهم بأسلحتهم، وعقب ذلك تورط السادات في عملية تهريب عزيز المصري لحساب الألمان، لمساندة رشيد الكيلاني بالعراق في ثورته ضد الإنكليز، إلا أن المخابرات اكتشفت محاولته، وتم القبض علي السادات، وراوغ وكيل النيابة حتى أفرج عنه ليواصل نشاطه السياسي السري.
الإنكليز والنحاس
وعندما تقدمت جيوش القائد الألماني روميل إلى ليبيا في عام 1942 شعر الإنكليز بأن الرأي العام المصري ضدهم، وفي محاولة منهم لإرضاء الشعب المصري، حاصروا قصر الملك فاروق بعد رفضه تكليف مصطفى النحاس بتشكيل الوزارة واجبروا الملك على تكليف النحاس بتشكيل الوزارة ، ورغم ذلك خرجت المظاهرات تهتف في شوارع القاهرة إلى الأمام يا روميل!
وعندما سقطت العلمين في يد الألمان، أرسل السادات ضابطاً مصرياً إلى القائد الألماني روميل، ليخبره بأن التنظيم السري للضباط المصريين، على استعداد للمشاركة في الحرب إلي جانب الألمان ضد الإنكليز، مقابل أن تنال مصر استقلالها، وأقلعت طائرة بالضابط المصري إلا أن الألمان أسقطوها.. وكان السادات في ذلك الوقت يعمل بسلاح الإشارة في الجبل الأصفر، وذات يوم جاءه زميله حسن عزت وأخبره بمفاجأة، أن ضابطين من الجيش الألماني يطلبان مساعدته، لتبدأ علاقة السادات مع أغرب قصة جاسوسية أبطالها ضابطان ألمانيا وراقصة مصرية..
الراقصة والجاسوس
ويكشف الكاتب بداية علاقة الراقصة حكمت فهمي بالجاسوس الألماني حسين جعفر أبلر والتي بدأت داخل أحد النوادي الليلية بالنمسا التي كانت ترقص فيها حكمت فهمي، عندما قدم لها حسين جعفر نفسه علي أنه طالب مصري، واستطاع أن ينسج خيوط شباكه حولها بحكمة، حتى وقعت في غرامه، ليختفي من حياتها فجأة ودون مقدمات.
وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية عادت حكمت فهمي إلى مصر، لترقص في ملهي الكونتيننتال، دون أن تعلم أنه قد تم تجنيدها ضمن جهاز المخابرات الألماني من خلال العلاقة التي نسجها حولها حسين جعفر، وكان رئيس المخابرات الألمانية قد شاهد حكمت فهمي وهي ترقص في النمسا، فدعاها للرقص أمام هتلر ووزير دعايته جوبلز في ألمانيا، وعندما شاهدها جوبلز أعطى تعليماته بتجنيدها لصالح الألمان، الذين كانوا يعرفون حجم شعبيتها لدى كبار الضباط الإنكليز في مصر.
ولم تكن حكمت فهمي تعلم أن علاقتها مع حسين جعفر أو الضابط الألماني أبلر سوف تجمعها مع السادات في أكبر قضية تجسس في ذلك الوقت، ويكشف الكاتب حقيقة حسين جعفر، فهو من أب وأم ألمانيين، انفصل كلاهما عن الآخر، وكانت الأم تعمل بمدينة بور سعيد، والتقت بمحام مصري تزوجها وتبنى الطفل، وأطلق عليه حسين جعفر، ولكنه عندما سافر إلى ألمانيا التقطته المخابرات الألمانية وتم تجنيده لإتقانه العربية، وكانت أول المهام التي أوكلت إليه هي نسج علاقة غرامية مع الراقصة حكمت فهمي تمهيداً لتجنيدها وعندما حاولت المخابرات الألمانية زرع جاسوس ألماني في قلب القاهرة لم يكن أمامها سوى حسين جعفر أو إبلر وكانت مهمته تتلخص في الحصول على الخطة البريطانية، وأين سيركزون دفاعاتهم، وعدد القوات البريطانية ونوعها، ومدى تعاون الجيش المصري معهم إذا بدأت المعركة؟
وتمكن إبلر من دخول القاهرة عبر عملية اختراق للصحراء، في الملابس العسكرية للجنود البريطانيين، وعلى مشارف أسيوط استبدل ملابسه هو وزميله مونكاسترن واستكملوا الرحلة بعد عدة مغامرات، حتى وصلا إلى القاهرة لتنفيذ مهمتهما، بينما كانت قوات روميل تقف على أعتاب العلمين بعد عدة انتصارات حققها على جيش الحلفاء.. وعند وصولهما إلي مشارف أسيوط تنكر إبلر في صورة ضابط بريطاني، ومونكاستر في شخصية سائح أميركي ، وتحت هاتين الشخصيتين تمكن إبلر وزميله من دخول أحد المعسكرات البريطانية، بل إن قائد المعسكرات أخذهما بسيارة عسكرية لتوصيلهما إلى أسيوط.
وعندما وصلا إلى القاهرة نزلا في فندق شبرد، ليبدأ أول اتصال بينهما والمخابرات الألمانية، ليعلنا الاستعداد لبدء العملية ، وفي ملهي الكيت كات يلتقي إبلر مع حكمت فهمي مرة ثانية، لتؤكد له حكمت فهمي كراهيتها للإنكليز ، ليكشف لها عن شخصيته، وعن مهمة التجسس التي كلفه بها قائده روميل ، وأبدت حكمت فهمي استعدادها للتعاون مع الألمان، واستأجرت له عوامة قريبة من عوامتها، وعندما صعد إبلر لتركيب إريال اللاسلكي، هنا لاحظ وجود جندي بريطاني على سطح عوامة الميجور البريطاني المجاور لهما، فباغته بطلب المساعدة قبل أن يفكر في أي شيء.
السادات والألمان
وخلال أيام قليلة استطاع إبلر أن يوثق علاقته بالميجور البريطاني، دون أن يتسلل إليه الشك بأن هذا الشاب المصري حسين جعفر هو نفسه الجاسوس الألماني إبلر.
وعندما تم القبض على الجاسوسين الألمانيين اللذين يستقبلان الرسائل من القاهرة، قررت المخابرات الألمانية عدم الرد علي إبلر وصديقه مونكاستر، حتى اعتقد إبلر أن جهاز اللاسلكي أصابه عطل مفاجئ، وطلب المساعدة من حكمت فهمي مساعدته عبر شخص تثق به، لإصلاح الجهاز، حتى يتمكن من إتمام عملية التجسس.
وتمكنت حكمت فهمي من الوصول إلى الضابط المصري أنور السادات، عبر صديقه حسن عزت، فوافق على الفور علي إصلاح الجهاز والتعاون مع الألمان، نظراً لكراهيته للإنكليز، وبلا تردد ذهب معها إلى عوامة إبلر لإصلاح الجهاز المعطل، وتأكد السادات أن الجهاز معطل ولا يمكن إصلاحه، إلا أن إبلر قدم له جهازاً أميركياً آخر، كان قد حصل عليه من سفارة سويسرا التي كانت ترعى شئون الألمان في مصر، إلا أنه لا يعرف كيفية تشغيله، واكتشف السادات أن الجهاز بدون مفاتيح، واقترح السادات أن يشغله بمفاتيح مصرية الصنع يقوم هو بتركيبها.
وحمل السادات الجهاز في حقيبته متجهاً إلي بيته في كوبري القبة، بينما استمر إبلر في نشاطه بجمع المعلومات من داخل النوادي الليلية التي يسهر فيها الضباط والجنود الإنكليز، حتى تسرب الشك إلى أحدهم ولكنه عندما قام للإبلاغ عنه، وهو يرتدي الملابس العسكرية الإنكليزية شعر إبلر بالخطروفر هارباً، إلا أن المخابرات الإنكليزية بدأت منذ تلك الليلة تتبع أثره وفي نفس الليلة التقى إبلر بالراقصة الفرنسية ايفيت وهي في حقيقة الأمر جاسوسة كانت تعمل لحساب الوكالة اليهودية في مصر، وفور قضاء ليلتها معه في العوامة أبلغت عنه في تقرير تفصيلي وكشفت عن حقيقة شخصيته الألمانية، عندما سمعته يتحدث مع زميله مونكاستر بالألمانية، وفي ذات الوقت كان جهاز المخابرات البريطاني يبحث عن إبلر وصديقه.
في ملهي الكيت كات
وداخل ملهى الكيت كات التقت حكمت فهمي بالميجور سميث المتيم بها، وفي تلك الليلة تمكنت حكمت فهمي من الحصول منه علي معلومات ثمينة، عندما صارحها أنه مسافر إلي ميدان الحرب علي الخطوط الأمامية، وعلي الفور ألغت حكمت فهمي رقصتها لتقضي السهرة معه في عوامتها، وهناك دست له المخدر في كأس الويسكي لتحصل منه علي أخطر تقرير، يتضمن كافة المعلومات التي يبحث عنها إبلر، فهرولت إليه ومنحته التقرير الذي يحتوي على كافة المعلومات عن القوات النيوزيلندية، ووحدات من جنوب أفريقيا، وأستراليا، بالإضافة إلي وحدة أخرى قوامها 5 آلاف جندي كانت سترسل إلى الإسكندرية، و2500 لغم لتعزيز الخط الدفاعي، وتركيز الدفاع في العلمين نفسها وليس على بعد عدة أميال كما كان يعتقد روميل.
ولكن عند عودة إبلر إلى زميله مونكاستر فوجئ به في حالة اضطراب شديد، وهو يخبره أن صديقيهما الجاسوسين اللذين يتلقيان إشارتهما تم القبض عليهما في السجون البريطانية، وطلبت منهما المخابرات الألمانية في تلك الليلة عدم إرسال سوى المعلومات الهامة وفي الثانية عشرة مساءً تحديداً.
وفي تلك الليلة خرج إبلر وصديقه إلى ملهى الكيت كات، ليلتقيا هناك بالميجور ألفريد وليامز سانوم أخطر رجال المخابرات العاملين في قوات الحلفاء في الشرق الأوسط!!
والذي قدَّم نفسه لهما على أنه عمر بك الرجل الثري الوجيه، ولم يخطر في بال رجل المخابرات في ذات الوقت أنه يجلس إلى جوار أخطر جاسوس ألماني تبحث عنه المخابرات البريطانية ومخابرات قوات الحلفاء، وفي تلك الليلة علمت الراقصة إيفيت الجاسوسة اليهودية: أن المخابرات الإنكليزية تبحث عن جاسوس ألماني في القاهرة، فأبلغت قادتها ورجحت لهم أن يكون هو ذاته حسين جعفر، وعندما ذهبت إلي عوامته عثرت عليه في حالة غير طبيعية داخل عوامته وعندما دخل إبلر إلى إحدى الغرف الجانبية من العوامة، تنامي إلى سمع إيفيت حواراً باللغة الألمانية بين إبلر وصديقه مونكاستر، حول استخدام جهاز الإرسال، وكذا المعلومات الخطيرة التي بحوزتهم، وهنا تأكد لها أنه الجاسوس الذي تبحث عنه المخابرات البريطانية.
وحاول إبلر خنقها وهو يحدثها بالألمانية، ليعرف ما إذا كانت تفهم ما يقوله أم لا، وتظاهرت إيفيت بأنها لا تفهم حديثه لها، وعندما تأكد أنها لا تفهم الألمانية، استدار إلى صديقه مونكاستر مؤكداً له أنها لا تفهم ما دار بينهما في الداخل، ثم وضع إبلر يده في جيبه ومنحها رزمة من الجنيهات الإسترلينية وقضي معها ليلته.
وعندما عادت إيفيت بتلك المعلومات إلي قادتها، ثم إخطار المخابرات البريطانية، ومكاشفتهم بأنهم يبحثون عن جاسوس ألماني، وأن الوكالة لديها كافة المعلومات عنه، وقدم له الدليل من الجنيهات المزيفة التي قدمها إبلر إلي إيفيت ، وأرسلت وكالة المخابرات اليهودية بإيفيت إلي قائد المخابرات البريطانية، لتدلي بما لديها من معلومات حول الجاسوس الألماني، ومن تلك اللحظات بدأت المخابرات البريطانية تحركاتها للقبض على إبلر وصديقه، داخل العوامة الخاصة بهما.
وعندما دق جرس الباب أدرك إبلر بحاسة الجاسوس أن ساعة النهاية قد اقتربت، وحاول مونكاستر إغراق العوامة ، وتم القبض علي إبلر ومونكاستر، وحكمت فهمي فيما بعد ، وحاولت المخابرات البريطانية التوصل إلى شفرة الاتصال بين الجاسوس الألماني وقيادته، وعندما عثروا معه على رواية ريبكا والتي سبق تحريزها مع الجاسوسين الألمانيين اللذين كانا يستقبلان رسالتهما.. تأكد للمخابرات البريطانية أن بين طيات هذه الرواية الشفرة المستخدمة بينهما، إلا أن المخابرات البريطانية فشلت في العثور على الشفرة.
أما حكمت فهمي فلم تكن تعرف بأمر القبض على إبلر وصديقه، وكاشفت المخابرات البريطانية بأن جميع المعلومات والتقارير التي حصلت عليها بحوزة الميجور المخمور سميث تم إرسالها إلى روميل عبر صديقها إبلر، ولم تعد خططهم سرية ورغم القبض على إبلر وصديقه، إلا أن محطة التجسس الألمانية في القاهرة استقبلت رسالة مشفرة، ولم تكن سوى تلك الرسالة سوى خدعة أرسلتها المخابرات البريطانية إلى روميل لتضليله، وعندما وصلته تلك الرسالة جعلته يغير خططه الميدانية.
القبض على السادات
وعندما علم السادات بالقبض على الجاسوس الألماني وصديقه، حاول إخفاء جهاز اللاسلكي -دليل الاتصال بالجواسيس الألمان، وذهب إلى صديقه حسن عزت بحي شبرا إلا أنه لم يجده، وعاد ليخفيه في حجرته، وفي فجر ذات اليوم داهمت قوة من الضباط الإنكليز والمصريين منزله، وتم تفتيشه، إلا أن السادات تمكن من تهريب جهاز اللاسلكي بواسطة شقيقه الأكبر طلعت، وتم إيداع السادات في سجن الأجانب ، كما تم القبض على صديقه حسن عزت، وتمكن السادات من إطلاع زميله حسن عزت على تفاصيل القضية، حتى لا تتناقض أقوالهما في التحقيقات.
وتعرف إبلر ومونكاستر على السادات داخل طابور طويل من الضباط، وأنكر السادات معرفته بإبلر، أو حسين جعفر، وزعم في التحقيقات أنه تعرف عليه باعتباره (ميجور) بريطاني يدعي إبراهام، وهو الأمر الذي أربك مجلس التحقيق، وأكد في التحقيقات أنه قَّدم نفسه وصديقه على أنهما من ضباط الإشارة الإنكليزي، وباغت السادات إبلر بعدة أسئلة هجومية للدفاع عن نفسه، زاعماً أنه لو كان يعلم بأنه ضابط ألماني لأبلغ عنه، واستمر في مراوغته حتى تمكن من تضليل مجلس التحقيق، وإرباك الجاسوس إبلر أيضاً، ولم يتمكن المحققون من إدانة السادات وصديقه حسن عزت في القضية ، مما دفع رجال المخابرات البريطانية ممارسة ضغوطهم على والده حتى يعترف، وفشلت محاولتهم تلك في إثناء السادات عن أقواله أو الاعتراف بالتعاون مع الجاسوس الألماني.
وعندما عادت إدارة الجيش المصري لممارسة ضغوطها على والد السادات قال لهم: إذا كان ابني مخطئ فأطلقوا عليه الرصاص وتم الاستغناء عن خدمات السادات بقرار ملكي -كضابط في الجيش المصري- وتم خلع الرتب العسكرية من على كتفه ، وداخل سجن الأجانب التقى جميع أطراف قضية التجسس، إبلر وصديقه مونكاستر وحكمت فهمي والسادات، ورفيقه حسن عزت.
ويكشف الكاتب عن سر خداع البريطانيين لروميل، وذلك عندما وصل وينستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا إلى مصر، وطلب رؤية الجواسيس الألمان، ووعدهما بألا يحكم عليهما بالإعدام إذا اعترفا وباحا للمخابرات البريطانية بسر الشفرة، وهو الأمر الذي أدى إلى خداع روميل ثعلب الصحراء.

السادات في المعتقل
وفي معتقل فاقوس بالمنيا جنوب مصر التقى السادات بالأخ غير الشقيق لحسين جعفر داخل السجن، وتعلم منه الألمانية خلال تسعة أشهر، حتى أتقنها تماماً ، وانتقل السادات مرة أخرى إلى معتقل الزيتون في عام 1943، والتقى هناك بالضباط المناهضين للإنكليز، كما التقى بأعضاء الأحزاب المنشقة عن الوفد، والنحاس باشا، ومن أغرب الحالات التي التقى بها السادات أحد المطبعجية، والذي كلما أفرجت السلطات عنه يطبع منشوراً جديداً ضد الحكومة ليعود مرة أخرى للمعتقل ، فقط لأنه يفضل عيشة المعتقل عن الحرية، لأنه يتقاضى راتباً شهرياً قدره 7 جنيهات!! ، بينما كان السادات وصديقه حسن عزت يرفضانه، باعتباره مسألة مهينة للكرامة.
وداخل معتقل الزيتون قاد السادات حركة تمرد ضد قومندان المعتقل العنيف الطباع، ليحضر له القومندان إلى زنزانته فيما بعد مهدداً إياه بالقتل بمسدسه وقرر السادات أن يؤدبه، وتمكن فيما بعد من الوصول إلى غرفة القومندان عبر النافذة، رغم الحراسة المشددة حوله وهدده السادات بالقتل، وكان يريد أن يعطيه درساً، ولم يمسسه بأذى وعاد السادات مرة أخرى إلى غرفته.وفي تلك الأيام أضربت حكمت فهمي عن الطعام، حتى ساءت حالتها النفسية، وتمكنت من الخروج من السجن بعد أن دفعت رشوة مالية قدرها 200 جنيهاً.
بينما عاد إبلر وصديقه مونكاستر إلي ألمانيا..
أما السادات فقد أثار الرأي العام داخل معتقل الزيتون، حتى يتم الإفراج عنه وصديقه حسن عزت، وقاد السادات حركة عصيان داخل المعتقل وأطلق عليهم الجنود الرصاص، وقرر السادات وحسن عزت الهروب مع ستة من المعتقلين، لتأديب القومندان، وتمكنوا جميعاً من الهروب ، وفي اليوم التالي لهروبهما، توجها إلى قصر عابدين -السادات وحسن عزت- ليسجلا احتجاجهما على المعاملة في المعتقل، وطالبا الملك بألا يخضع للسلطة البريطانية، ووقعا على مطالبهما باعتبارهما معتقلين في معتقل الزيتون وأكدا أنهما سيعودان للمعتقل مرة أخرى بمحض إرادتهما لتتحسن معاملة المعتقلين بعد نقل القومندان.
محاولة أخرى
ولم تكن تلك المحاولة الأخيرة للهروب التي قام بها السادات، بل كانت هناك محاولة هروب حقيقية، عاش خلالها السادات حياة مثيرة مليئة بالمغامرات، وذلك عقب إفراج حكومة أحمد ماهر عن معظم المعتقلين دون أن يشملهم الإفراج، فأضرب عن الطعام، وتم نقله إلى مستشفي قصر العيني، وكان حسن عزت قد تمكن من الهرب من معتقل المنيا، وحضر لزيارته، فأخبره السادات بأنه يعد خطة للهروب، وعاونه حسن عزت بإحضار سيارته ودسها بين سيارات الأطباء، وترك موتور السيارة دائراً، وتمكن السادات من الهروب واستقلاله سيارة حسن عزت، وانطلق بها ليختبئ لدى حسن عزت، ليعيش لمدة عام حياة مليئة بالأحداث المثيرة، فعمل حمالاً علي عربة لوري لدي زميله حسن عزت، ونقل الخضراوات والفاكهة إلى معسكرات الإنكليز، كما عمل في نقل الأحجار في المراكب النيلية القادمة من أسوان، وانتقل السادات خلال فترة هروبه بين عدة مدن وقرى ، متنكراً في شخصيات مختلفة، وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية سقطت الأحكام العرفية، لتنتهي فترة هروب الضابط الشاب أنور السادات، والتي وصلت إلي ثلاث سنوات، ليعود إلي بيته، ليُكوِّن فيما بعد جمعية سرية، قامت باغتيال أمين عثمان، الصديق المقرب للإنكليز ليتم القبض على السادات مرة أخرى.

جاسوسية(ماكسويل .. الاعلامي الجاسوس)

ماكسويل .. الاعلامي الجاسوس
 
الموت أثار شكوك الإعلام حول الطريقة التي توفي بها ماكسويل.هل انتحر بسبب الأزمة المالية التي كان يمكن أن تغرق إمبراطورية الإعلام ؟ أم قتل على يد فريق يخته أو من خلال جنود عبروا أمام اليخت؟.
 
تشريح الجثة لم يثبت ما إذا كان قتل أوغرق بسبب عدم وجود مياه في رئتيه ودون تحديد سبب الوفاة فإن جثة ماكسويل نقلت إلى القدس حيث دفنت في جبل الزيتون، ولكن بجانب غموض الكيفية التي مات بها بارون الإعلام البريطاني غريب الأطوار فان موته فتح ملف إمبراطورية الإعلام الضخمة التي كان يملكها أمام التدقيق والتحقيق. وخلال حياته جعل ماكسويل النقاد يرزحون تحت ثقل دعاوى قضائية وبضغط من مجموعة القوانين البريطانية القاسية. ولكن بموته تغير الأمر ووجد مراقبو الحسابات أنه، نهب أموال تقاعد موظفيه وارتكب خداعاً مالياً واسع الانتشار، كما قادت وفاته إلى متاهة أمن قومي بريطاني. في هذه الزوايا المبهمة كان ماكسويل يهودي هرب من “الهولكوست” وصنع حياته كرجل أعمال معروف يمكنه أن ينساب من جانب إلى آخر عبر الستار الحديدي.
 
وخلط بين الصحافة والدبلوماسية، وفي عهد ريجان وبوش الأب عمل بقرب “إسرائيل وجند محافظين أمريكيين بارزين مثل السيناتور السابق جون تاور أحد اقرب الحلفاء لبوش. وفي نهاية الحرب الباردة كان ماكسويل الرجل الناصح لبوريس يلتسين حول كيفية مقاومة الانقلاب من المتشددين الشيوعيين وتمرير رسائل إلى مستشار الأمن القومي في عهد بوش الأب برنت سكوكروفت.
 
وغموض ماكسويل كان موضوع الكتاب الجديد الذي نشر في انجلترا وكتبه روسيل دايفيز بعنوان الجسد الأجنبي: الحياة السرية لروبرت ماكسويل وهو مساهمة في التاريخ الأمريكي الحديث وخاصة ليختبر مصداقية ابرز الشهود الخادعين في فترتي ريجان وبوش الأب وهو رجل الاستخبارات العسكرية “الإسرائيلي السابق آري بن ميناش. الذي كان قد ظهر على السطح عام 1990 بعد اعتقاله في الولايات المتحدة لمحاولة بيع طائرات شحن من طراز   C-130   لايران.
 
ومن بين اتهامات أخرى فان ماكسويل وأحد محرريه في صحف الميرور البريطانية ساعدا وسطاء في شحن الأسلحة “الإسرائيلية من الكتلة الشرقية إلى وجهات دولية متعددة منها إيران. فيما يخص بن ميناش كان ماكسويل اللاعب الأساسي في بناء روابط “إسرائيلية سرية دبلوماسية واستخبارية مع موسكو.
 
كان بن ميناش قد ورط أيضا تاور على انه تعاون في شبكة ماكسويل الدبلوماسية الصحافية.وأن “اسرائيل” اتهمت رجل الاستخبارات المركزية الأمريكية روبرت جيتس والرئيس بوش الأب للمشاركة في صفقات سرية للشرق الأوسط ترجع إلى فترة حملة “ريجان- كارتر” عام 1980و من المذهل أن يدعي بن ميناش انه شهد أن جيتس وبوش دخلا في مفاوضات مع الإيرانيين من اجل تقويض جهود كارتر لتحرير الرهائن الأمريكيين ال 52 الذين احتجزوا في إيران عام 1980.
وبجميع المقاييس كان بن ميناش شاهداً مثيراً للجدل وعندما وجه اتهاماته في مقابلة مع الصحافيين والمحققين من الكونجرس فان ادعاءاته قوبلت برفض واسع وسخرية، وكانت شهادته للمهمة السرية من قبل تاور وجيتس وبوش وماكسويل بدت مثل خيال متقن من روائي أدب جاسوسية فاشل. ومن جهتها فان حكومة الليكود “الإسرائيلية أنكرت أن بن ميناش عمل مع استخباراتها العسكرية.
 
ولكن في عام 1990 نشر بن ميناش رسائل تشير إلى دليل على انه عمل من 1977 إلى 1987 في مكتب الاستخبارات العسكرية “الإسرائيلية. وفي مواجهة هذه الرسائل غيرت “إسرائيل قصتها واعترفت أن بن ميناش عمل معها ولكن أصرت على انه كان فقط مترجماً بسيطاً لم يسافر أبدا في مهام حكومية.
 
الخط الجديد من الدفاع كان من الجمهوريين والمحافظين في وسائل الإعلام التي أكدت أن كلام بن ميناش ليس إلا هراء وأن من يجرؤ على اخذ قصصه محمل الجد شخص ابله. لكن القصة “الإسرائيلية كان لها مشاكلها. حتى ضباط الاستخبارات العسكرية “الإسرائيلية اعترفوا أن بن ميناش كان اكبر لاعب في الدور الذي سمحت له به الحكومة.
 
ومع ذلك كان شخصية متبجحة ووعد المحققين بأكثر مما قدمه لهم وادعاءاته ضد بوش وجيتس واجهت أيضا انكارهما الشديد أما تاور الذي كان المحقق الداخلي في قضية إيران كونترا فقد توفي بعد حادث طائرة في ابريل/نيسان عام ،1991 وفي وقت وفاته كان يعمل مع دار نشر ماكسويل بمرتب 200 ألف دولار سنويا.
 
مصداقية بن ميناش غرقت اكثر عندما اتهم ماكسويل بالعمل الاستخباري لحساب “إسرائيل إذ ادعي أنه ومحرره الخارجي الأنيق نيكولاس دايفيز رتبا أسلحة وساعدا “إسرائيل في تشويه سمعة موردخاي فعنونو عندما حاول هذا العالم المرتد أن يفضح تفاصيل برنامج تسلح “إسرائيل النووي السري.
وعندما قام الصحافي البارز سيمور هيرش بتضمين ادعاءات بن ميناش حول ماكسويل ودايفيز في كتابه “خيار سمسون” قاضى كلاً من ماكسويل ودايفيز هيرش والناشر البريطاني. وانضم الصحافيون في بريطانيا مثل نظرائهم في واشنطن إلى السخرية من بن ميناش وهزوا رؤوسهم سخرية من سذاجة هيرش، ولكن تطوراً ساخراً في جبهة ماكسويل ودايفيز حدث عندما قدمت صديقة دايفيز السابقة وثائق تعزز بعضا من ادعاءات “بن ميناش” حول تهريب الأسلحة. وفي إحدى هذه الوثائق تسرد رحلة دايفيز إلى اوهايو التي كان المحرر أنكرها من قبل.
 
ومن وراء الأحداث قام ماكسويل بشق صدوع  في إمبراطوريته المالية، ووسط الأزمة المتنامية قرر ماكسويل أن يبحر في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1991 وبعد يومين اختفى.
 
وبعد وفاته حولت صحف الميرور الدعوى ضد هيرش بان عبرت عن صحة المعلومات التي وردت في كتابه وقدمت له تسوية مالية.
 
ورغم أن الكتاب الجديد “الجسد الخارجي” أكد صحة مزاعم بن ميناش فانه إلى جانب ذلك أكد العديد من جوهر ماكسويل الحقيقي. الكتاب أيد مزاعم بن ميناش على سبيل المثال في أن رئيس الوزراء “الإسرائيلي إسحاق شامير استخدم ماكسويل ليساعده في علاقة دبلوماسية مع موسكو وكانت استراتيجية شامير كما قال بن ميناش لها غرض مزدوج من زيادة هجرة اليهود السوفييت وتقليل العداء السوفييتي نحو الدولة اليهودية ومن أجل هذا الغرض عمل ماكسويل عميلاً ممتازاً ويتفق مع هذا المؤلف روسيل ديفيز.
 
وفي مقابلة مع إسحاق شامير عام 1993 تلقى سؤالاً حول تكريم ماكسويل ودفنه في جبل الزيتون وما إذا كان هذا يؤكد انه كان يقدم خدمات خاصة ل “إسرائيل أجاب بشكل ملتو والذي كان قد حضر بنفسه جنازة ماكسويل “على ما يبدو لم يكن ماكسويل من النوع الذي يمتع نفسه في حياته وقد أردنا تكريمه”  كما أن روسيل ديفيز كتب أن نهاية ماكسويل على الأرجح نتجت من أوضاعه المتزايدة كمسؤول عن المصالح القوية لدولة “إسرائيل وانه لعب دور مسرب للمال والأسلحة والمعلومات. ماكسويل كدس الكثير من الأسرار وكان يملك إيذاء العديد من الأشخاص البارزين.
 
ووفق كتاب “اغتيال لوبرت ماكسويل الجاسوس الإسرائيلي من تأليف الصحافي البريطاني جور دون تماس والايرلندي ماران تديلون فان المواد قتلت ماكسويل خوفا من أن يكشف أسرار “إسرائيل النووية ما لم تقدم له العون في إنقاذ إمبراطوريته المنهارة. والكتاب يعتمد على مقابلات مع عملاء سابقين للموساد وضباط استخبارات سابقين بريطانيين وأمريكيين وبلغاريين أكدوا أنه كانت تربطه علاقات عالية المستوى مع سياسيين ورجال أعمال بارزين في الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق وبلغاريا و”اسرائيل”. ويورد الكتاب انه قتل على يد عملاء الموساد الذين اختطفوا يخته الخاص في الظلام وحقنوه بمادة قاتلة في عنقه ثم أعادوا جسده على سطح اليخت وتركوه في عرض البحر.وأن ماكسويل لم يستعد لهذا لأنه في تلك الفترة بالذات كان يتوقع رزمة مالية سوف تمنح له سرا على اليخت من قبل الموساد وذلك بعد بداية تهديده للوكالة الاستخبارية “الإسرائيلية بفضح أسرارها إذا لم تنقذه من ورطته المالية.
 
ووقت وفاته كان على علاقة قوية بمارجريت تاتشر في داوننج ستريت ورونالد ريجان في البيت الأبيض كما كانت له علاقات قوية في الكريملين وجميع أروقة السلطة في أوروبا.
 
وبنى لنفسه منصباً من القوة داخل الأسر الإجرامية في أوروبا الشرقية وعلمهم كيف يبيضون أموالهم من تهريب المخدرات وتهريب الأسلحة والدعارة في مخابئ آمنة حول العالم.
 
و نقل جميع الأسرار التي عرفها إلى الموساد في تل أبيب. وفي المقابل احتملوا غروره وتجاوزاته ونهمه الذي لا سبيل إلى إرضائه في المال والنساء.
 
وفي المقابل كان السفير “الإسرائيلي غير الرسمي إلى الكتلة الشيوعية وتمكنت الموساد من الاستفادة من ذلك إلى أقصى حد.
 
وعرف العديد من الأسرار المهمة في الإمبراطورية السوفييتية ومنح افضل الفرص ليكون الجاسوس الكبير للموساد والذي ساعد على سرقة أهم قطعة من برامج العقل الإلكتروني في ترسانة الأسلحة الأمريكية وقد منح ماكسويل مهمة تسويق البرامج المسروقة التي كانت تسمي بروميس، وأعادت الموساد بناء البرنامج وأدخلته في أداة مكنتها من تتبع أو اقتفاء اثر أي عملية شراء تحدث له.
 
وبهذا كانت الموساد تعرف تماما ما كان يحدث في وكالات الاستخبار التي تشتريه. وكان ماكسويل قد باعه إلى 42 دولة منها الصين ودول الكتلة الشيوعية ولكن النصر الكبير كان بيعها في قلب نظام الدفاع النووي الأمريكي.
ولكن كلما ازداد نجاحه اصبح معرضا للمزيد من المخاطر ومصدر قلق متزايد للموساد وفي نفس الوقت كانت امبراطورية ماكسويل المكونة من 400 شركة بدأت في الانهيار والتحلل.
 
فقد انفق ببذخ وفقد أمواله في صفقات خاسرة وكلما زادت خسارته حاول أن يسترد أمواله من البنوك ثم رأى أخيرا سبيلاً إلى حل مشاكله، وتمكن من الوصول إلى فلاديمير كروتشوف رئيس ال  KGB   وتقابلا في سرية في الكريملين وقدم كروتشوف عرضاً استثنائياً اذ أراد من ماكسويل أن يساعده في الاطاحة بميخائيل جورباتشوف الزعيم السوفييتي الاصلاحي حتى تنتهي الديمقراطية الوليدة وتعود أيام الحرب الباردة.
 
في المقابل كانت ديون ماكسويل الضخمة سوف تسدد من خلال كروتشوف الذي كان يخطط ليحتل موقع جورباتشوف.وكانت خطته ذهاب “الإسرائيليين إلى واشنطن ويقولوا إن الديمقراطية لا تصلح لروسيا وانه من الأفضل السماح للبلد بالعودة إلى شكلها المعدل من الشيوعية التي يمكنها أن تساعد أمريكا في احتوائها وفي المقابل كروتشوف سوف يضمن أن يحرر مئات الآلاف من اليهود والمعارضين في الجمهوريات السوفييتية.
 
وقال كروتشوف لماكسويل انه سيكون منقذ اليهود وكان عرضاً لا يمكن رفضه ولكنه عندما قدمه للموساد أصيب رجالها بالذعر وأكدوا أن “اسرائيل” لن تتدخل في هذه الخطة المتهورة.وكانت تلك هي المرة الأولى التي يفشل فيها ماكسويل في تنفيذ خططه وبدأ يهدد ويتوعد وعندها طلب مقابل خدماته السابقة مبلغ 400 مليون جنية استرليني ليتمكن من الخروج من مأزقه المالي، ولكن الموساد بدل من أن تقدم له المال وضعوا خطة لقتله لأنهم شعروا انه بدأ يفقد قدرته في السيطرة على عقله وكان يتناول مجموعة من العقاقير المهدئة التي كان لها آثار سلبية خطيرة.
 
وكما قال عميل سابق للموساد في ليلة باردة انتهت مشاكل الموساد مع روبرت ماكسويل”

الاثنين، 25 أكتوبر، 2010

من ملفات الجاسوسية . قوانين رقيقة

من ملفات الجاسوسية . قوانين رقيقة

٢٠ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٣بقلم فريد الفالوجي

لم يسلم لبنان .. ذلك القطر العربي الصغير على مدار حقبة طويلة من تاريخه، من مكائد الصهيونية وأطماعها، فمنذ أخذت الحركة الصهيونية تستعد لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين، وضعت في مقدمة برامجها التوسعية. . السيطرة على مناطق حيوية في لبنان خاصة المناطق الجنوبية منه. . حيث منابع مياه نهر الأردن، ومجرى نهر الليطاني ومصبه، وما تمثله تلك المنطقة من أهمية بالنسبة لأمن الدولة الصهيونية . . واستراتيجيتها العسكرية.
لقد جاء في التلمود "إن الله أعطى عهداً لإسرائيل باحتلال أراضي الجبلين وجميع أنحاء لبنان وتقسيم هذه الأراضي على أبناء إسرائيل". لذلك نجد أن المطامع التوسعية في لبنان الجنوبي تحتل المرتبة الأولى في مخططات الصهيونية منذ حقبة طويلة.
وعقب الحرب العالمية الأولى ترأس اليهودي "هربرت صموئيل" وفد بريطانيا في مباحثات السلام، ونادى بمد حدود الدولة اليهودية في فلسطين الى شمالي صيدا وإدخال مدينة "صيدون" القديمة ضمن أراضي اليهود. وبهذا يشمل الساحل الفلسطيني ضواحي تتبع مدينة بيروت نفسها، وتسارع بريطانيا بتأييد هذا المطلب وتعيين صموئيل كأول مندوب سام لبريطانيا في فلسطين.
وبعد ترسيم المنطقة فيما بعد بواسطة فرنسا وبريطانيا، أظهرت الصهيونية سخطها على الاتفاق المعقود بين الدولتين، ذلك الاتفاق الذي أفقد الصهيونية "الليطاني، والأردن الأعلى، وجبل الشيخ، وحوران". ولم تتراجع الصهيونية عن محاولتها للاستيلاء على تلك المناطق، مدفوعة بالعقيدة الصهيونية والتاريخ المزيف، ومدفوعة أيضاً بالحاجة الاقتصادية والسيطرة العسكرية.
كان من الطبيعي إذن أن تستغل إسرائيل شتى السبل لابتلاع الأرض العربية من أهلها الأصليين، ومن بين تلك السبل – الجاسوسية – والإجرام. إذ أنه مع بداية العام 1920 بدأ التحول الكبير في تاريخ المنطقة العربية بانتقال الصهيونية الى مرحلة أرقى من ذي قبل. تلك المرحلة التي حملت روح العقيدة الإجرامية المتمثلة "بالتجمع والاقتحام" واستخدام السيف والدمار، وتشكيل الهيئات السرية والمنظمات الارهابية.
إنه عام أطلق عليه "عام الدماء الأولى" حيث قُتل في هذا التاريخ "يوسف ترمبلدور" رفيق "جابوتنسكي" بعد اشتباكات مع العرب قرب الحدود الشمالية. وحزن عليه اليهود حزناً شديداً كما تعاهدوا على الأخذ بثأره؟ وهذا ما دفع جابوتنسكي لاقتراف مذبحة "يوم النبي موسى" في 4 أبريل 1920.
ولما اعتقل جابوتنسكي بحجة التسلل وتهريب السلاح، تدخل هربرت صموئيل وأفرج عنه، فأطلقوا على صموئيل – المندوب السامي البريطاني – اسم "امير إسرائيل الأول" ولقبوه أيضاً بعيزرا الثاني "بعد السبي البابلي".
وجاء مؤتمر "سان ريمو" بعد واحد وعشرين يوماً من "مجزرة الدماء الأولى" ليكرس اتفاقية "سايكس – بيكو" تكريساً قانونياً، توزع بموجبه الانتدابات على دول المنطقة، وليجعل فلسطين من حصة بريطانيا، فتتعاون الصهيونية مع نظام الانتداب الجديد بحرية أكثر، وتنتهز الفرصة تلو الأخرى حتى يتم لها السيطرة وإقامة دولة إسرائيل، وأسفر هذا التعاون عن ظهور تنسيق كامل بينهما في المصالح والرغبات، وإنشاء مراكز تجسسية في المنطقة تخدم مطامعها المشتركة.

مؤامرة قصر يلدز

"إذا تجزأت إمبراطوريتي يوماً ما، فإنكم قد تأخذونها بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي، وهذا أمر لا يكون".
هكذا أجاب السلطان العثماني عبد الحميد الثاني "1876 – 1909م" على مطلب تيودور هرتزل بمنح اليهود حق سكنى فلسطين واستثمارها . . في أول وآخر مقابلة بينهما عام 1897.
ولما فشل اليهود مع السلطان عبد الحميد الثاني بأسلوب المكر والخديعة والرشوة، بدأوا في تنفيذ مخططاتهم السرية التي جاءت في "بروتوكولات حكماء صهيون" BROTOCOLSO OF LEARNED ELDERS OF ZION والتي نشرها بالروسية لأول مرة "سيرجي نيلوس عام 1902" فافتضحت نيات اليهود الإجرامية، وجن جنونهم خوفاً ورعباً، وعمت المذابح ضدهم في أنحاء روسيا، حتى لقد قتل منهم في إحداها عشرة آلاف يهودي مرة واحدة، واشتد هلعهم لذلك كله فقام هرتزل بإنكار ما جاء بالبروتوكولات، والادعاء بأنها ليست من عملهم.
ومع محاولات اليهود الجبارة إخفاء أمر البروتوكولات، انتشرت تراجمها بلغات مختلفة، فأقبلوا يشترون نسخ الكتاب من أسواق الدول بأي ثمن . . وعجزوا برغم نفوذهم وتهديداتهم، وانتشرت في ذلك الوقت مقولة "اليهودية فوق الجميع" JEWRY UEBBER ALLES بدلاً من "ألمانيا فوق الجميع" الذي جعلته ألمانيا شعارها أيام ازدهارها، وظل اليهود يعملون في الخفاء لتقويض نفوذ السلطان العثماني . . الذي أصدر قرارات تمنع استيطان أي يهودي جديد في فلسطين، وتمنع الهجرة اليهودية اليها.
فكان بذلك يقف حجر عثرة أمام أطماعهم وحلمهم الأ‘ظم في بناء الدولة الصهيونية، الى أن قام اليهودي "عمانوئيل قره صو" – أحد موظفي قصر يلدز YALDES العثماني – بتسليمه قرار خلعه عام 1909، لتحاك بعد ذلك أبشع مؤامرة لابتلاع أرض فلسطين وتشريد شعبها.
بيد أن ذلك ما كان يتأتى لليهود إلا بالدسائس والمؤامرات والرشوة، والاستعانة بيهود الدونمة وبأمهر الجواسيس، لتفحص مواضع الضعف في جيش الإمبراطورية بمعاونة جهاز المخابرات البريطانية، حيث كانت أطماع البريطانيين في المنطقة العربية لا حدود لها.
لذلك فقد أثارهم التعاون الوثيق بين ألمانيا والامبراطورية العثمانية، وقيام المهندسين الألمان بإقامة خطة سكة حديد برلين – بغداد، وهو الخط الذي كان مقدراً له أن يصل الى البصرة على الخليج العربي. وكانت البصرة في ذلك الوقت ميناء البترول الذي تتحكم فيه شركة البترول الانجليزية الإيرانية. فكان معنى ذلك أن نفوذ ألمانيا في تركيا – صاحبة الولاية في المنطقة – سيؤدي حتماً الى تقلص الوجود البريطاني .. والقضاء على أطماع البريطانيين في الشرق.
لذا فقد كان من الضروري العمل على تثبيت اليهود في المنطقة، وما كان ليتم ذلك للبريطانيين إلا بالخديعة وعمل المخابرات والجاسوسية.
ونظراً لتشابك الأطماع والمصالح – فالتعاون بين البريطانيين والصهيونية – ZIONISM - أمر مفروغ منه. حيث برع اليهود دائماً على مر الأزمان في اللجوء الى المكر والخديعة والتجسس . . لاستخلاص مصالحهم والوصل الى مآربهم.
وإذا تعرضنا للجاسوسية الصهيونية في لبنان أثناء الحرب العالمية الأولى، إبان حكم الدولة العثمانية، لرأينا مدى تشدد الأتراك حينذاك في مسألة الاختراقات والتجسس، وتعقب أعوان الصهيونية من الجواسيس وإعدامهم بلا شفقة، بل إن محاكمات البعض منهم كانت لا تستغرق سوى سويعات فقط، ينفذ بعدها حكم الإعدام في الحال، حتى أن بعضهم – في حالات قليلة – مات دون محاكمة أثناء التعذيب القاسي الشديد، مما يدل على مقت الأتراك للجاسوسية، ومحاولة ردع العملاء والخونة بعقوبات قاسية لا ترحم، ولا تحتمل التخفيف أو التسويف.
ولرأينا أيضاً أن حالات خاصة جداً، كان مصير الجواسيس فهيا بشعاً الى أقصى تصور، كمصير الجاسوسي الصهيوني "التر ليفي" الذي قطعوا جسده وهو حي بالساطور، وإبراهام واتنبرج – الأعرج – الذي أبقوه مزروعاً فوق خازوق لعدة أيام في عالية بيروت.
غيرهما كان هناك جواسيس آخرون لاقوا نهايات تفنن فيها الأتراك تنكيلاً بعدما زاد عدد عملاء الصهيونية وتفشى خطرهم.
لكن الحال تبدل في لبنان منذ استقلاله، فالعقوبات الجنائية التي سنها المشرع – الخاصة بمحاكمة الجواسيس – إذا قيست بغيرها في الدول العربية، لوجدناها لا تفي بالمطلوب منها وهو الردع القاسي لمرتكبي جريمة التجسس، ذلك أن لبنان بلد اقتصادي حر، لديه حرية تامة للالتقاء بمختلف التيارات الفكرية والحزبية.
إذ عمد منذ استقلاله على الانفتاح على العالم ومنح الحرية في الإقامة والتنقل، وسرية الحسابات في البنوك، فضلاً عن الاهتمام بالعملية السياحية والترفيهية للزوار ..الذين يقوم اقتصاده على مقدار ما ينفقونه في الملاهي والفنادق.
لكل تلك الأسباب، ضجت بيروت بالجواسيس مع انشغال الأمن العام هناك بالحفاظ على إيقاع الهدوء، والانفراجة السياحية التي تشهدها البلاد الأكر تفتحاً في الوطن العربي واستمر ذلك حتى يونيو 1967.
ففي أعقاب النكسة تغير الوضع كثيراً، خاصة بعد تدفق الفصائل الفلسطينية المسلحة الى لبنان، والتسلل من جنوبه صوب إسرائيل للقيام بعمليات فدائية وتفشي موجة من التفجيرات أرقت الشارع اللبناني .
تغير الوضع أيضاً بعدما حدث نوع من التعاون الوثيق بين أجهزة المخابرات السورية واللبنانية والفلسطينية، أثمر نتائج مدهشة عندما سقط العشرات من عملاء إسرائيل في لبنان، جميعهم استفادوا من القوانين غير الرادعة، والعقوبات التي قد تصل في النهاية الى طرد الجواسيس خارج البلاد .
لقد انتبه المشرع في لبنان لميوعة المواد العقابية المتعلقة بأعمال الجاسوسية، فعدلت بعض القوانين في يناير 1975، لإحداث نوع من التوازن ما بين الجرم والعقاب، لكن التعديلات لم تنص صراحة على إعدام الخونة والجواسيس ، لبنانيين أو أجانب.
وإذا عدنا الى الوراء، وبالتحديد الى الخمسينيات من القرن الماضي، لرأينا كم كانت الجاسوسية الإسرائيلية في لبنان منتشرة على أوسع نطاق، وتستخدم كل طرق التفشي والانتشار لخلق أرضية واسعة من الخونة اللبنانيين، تدفع بنشاطها الى الديناميكية من أجل التغلغل بين الأوساط الاجتماعية المختلفة، مستخدمة في ذلك شتى أساليب السيطرة بالمال والجنس، اعتماداً على فتيات يهوديات يتميزن بجمال مفرط، وأنوثة يانعة طاغية، وقوانين عقابية لا تقل رقة ووداعة عن نسائها.

الخميس، 21 أكتوبر، 2010

جاسوسية(أصغر جاسوس)

أصغر جاسوس

 
قصة هذا الجاسوس قصة فريدة بالفعل فهي تجمع بين جنباتها الغرابة والطرافة والإثارة في وقت واحد.. هي قصة طفل مصري كان يرعى الأغنام ويقوم بتربية الدجاج في صحراء سيناء.. اندفع في طريق المخابرات العامة المصرية التي كانت وقتها تدير حربا من نوع خاص مع العدو الإسرائيلي بعد نكسة 1967حققت فيها انتصارات ساحقة لم يفق منها العدو إلا على انتصار اكبر في أكتوبر1973م..

الطفل صالح واحد من أبطال عالم الجاسوسية والمخابرات الذين خدموا وطنهم في الصغر والكبر فكما كان صالح وقتها اصغر جاسوس في العالم وأكبر من أذاق العدو الصهيوني مرارة الهزيمة، الآن هو يحتل موقعا حساسا في أحد الأجهزة الأمنية المصرية وكأنه أخذ على عاتقه خدمة الوطن وحمايته في الكبر والصغر.

في العام 1968 وبينما تلقي النكسة بظلالها على الجميع وتعيش إسرائيل في زهو بأنها ألحقت الهزيمة بالجيش المصري، واحتلت شبه جزيرة سيناء، وأقامت الحصون والمواقع المنيعة بطول القناة وداخل الأراضي المصرية التي سيطرت عليها كانت هناك بطولات على الجانب الآخر أسفرت عن نتائج باهرة كانت في طي الكتمان إلى وقت قريب حتى تم الكشف عنها ومنها قصة الطفل المصري «صالح» أصغر جاسوس في العالم... فبينما كان مكتب المخابرات المصرية في شغل لا ينقطع لجمع المزيد من المعلومات عن العدو، وعدد قواته، ونوعية الأسلحة التي يمتلكها وطبيعة معيشة جنوده، والحراسات الليلية، وطبيعة حصونهم، كان «صالح» يعمل في جو الصحراء المحرقة على رعي الأغنام وتربية الدجاج محاولا الاحتماء بظل الكوخ الصغير الذي يقطنه والده الشيخ «عطية» وأمه «مبروكة علم الدين» وذلك بالقرب من بئر قليل المياه داخل سيناء.
كان الطفل يداعب طفولته مع الأغنام والدجاج، ويتأمل الفضاء الواسع بخياله المتطلع إلى السماء، لم يسرح خياله إلى أن يكون علامة مضيئة أمام القوات المصرية وهي تعبر قناة السويس لتحقق النصر وترفع القامة العربية عاليا في كل مكان، ولم يفكر يوماً في أنه سيكون مساعدا للمخابرات المصرية خلف العدو الإسرائيلي، ويقوم بزرع أدق أجهزة للتصنت داخل مواقع الجيش الإسرائيلي ليصبح أصغر جاسوس عرفه التاريخ.

تجنيد الطفل
 ظلت المخابرات تفكر في كيفية الحصول على المعلومات من خلف وداخل مواقع العدو، وكيف تحقق درجة الأمان العالية لمن يؤد هذا الغرض؟ وفي ظلمات الليل الدامس والرياح الشديدة تسلل ضابط مخابرات في ذلك الوقت ويدعى «كيلاني» إلى أرض سيناء، وكان متنكرا في زي أعرابي يتاجر في المخدرات، تحدى الضابط صعوبات الصحراء حتى وصل إلى بئر المياه، وأخذ يتناول جرعات منه، وشاهده والد الطفل صالح، وكعادة العرب ضايفه في كوخه الصغير، ودار حوار بين الضابط المتنكر في زي تاجر، وعطية والد صالح انتهى بتكوين صداقة، أراد الضابط تجنيد الأب لصالح المخابرات المصرية ولكن حدث أثناء استضافة والد صالح للضابط الذي كان حريصا في معاملاته وسلوكه حتى يتعود الأب عليه أن أقنعه أنه بانتظار عودة شحنته التجارية، وفي اليوم التالي ترك الضابط مجلس الأب عطية وأخذ يتجول حول بيته يتأمل السماء حتى وصل إلى الطفل وأخذ يداعبه حتى لا يشك الأب في سلوكه، وإثناء ذلك خطر ببال ضابط المخابرات المصرية أغرب فكرة وهي تجنيد الطفل صالح بدلا من الأب وتعليمه وتلقينه دروسا في التخابر، وكيفية الحصول على المعلومات من العدو الصهيوني، وأخذ الضابط يدرس هذه الفكرة مع نفسه خاصة أنه من الصعوبة الشك في طفل، كما أن الطفل نفسه يحمل روحا وطنية وهذا ما لاحظه الضابط، الذي ظل أياما معدودة ينفرد بالطفل بحذر شديد حتى استطاع تجنيده، وعندما اطمأن إليه وإلى قدرته على استيعاب ما طلبه منه، وقدرته على تحمل المهمة الصعبة قرر الرحيل. وبعدها اجتمع مع والد الطفل على مائدة الطعام و شكره على استضافته ثم طلب الرحيل لتأخر قافلته التجارية، وعندما ذهب ليقبل الطفل اتفقا سويا على اللقاء عند صخرة بالقرب من الشاطئ.

السر في الدجاجة
كان اللقاء الأول عند الصخرة لقاء عاصفا فقد تأخر الطفل عن الموعد واعتقد الضابط أن جهده قد ضاع، ولكن من وقت لآخر كانت الآمال لا تفارق الضابط في الحصول على أسرار مواقع العدو، كانت الثواني تمر كأنها سنوات مملة حتى ظهر من بعيد جسد نحيف لقد كان الطفل «صالح» الذي جاء يبرر تأخيره بأنه اختار الوقت المناسب حتى لا يلمحه أحد، كان الطفل يعرف أن مهمته صعبة، ودوره خطير، وأن حياته معلقة على أستار أي خطأ يحدث، تلقى الطفل بعض التعليمات والإرشادات التي تجعله في مأمن وذهب ليترك الضابط وحيدا شارد الفكر يفكر في وسيلة تسمح «لصالح» بأن يتجول في مواقع الإسرائيليين بحرية كاملة حتى جاء اليوم التالي لموعد اللقاء مع الطفل صالح الذي كان يحمل معه بعض البيض من إنتاج الدجاج الذي يقوم بتربيته وما أن شاهد الضابط الطفل حتى صاح وجدتها أنها الدجاجة التي ستمكنك من الدخول إلى مواقع العدو بدون معاناة أو شك فيك، إنها الدجاجة مفتاح السر لم يع الطفل شيئا، واندهش لصراخ الضابط الذي كان دائما هادئا، وجلسا على قبة الصخرة ليشرح له الفكرة التي ستكون الوسيلة لدخوله مواقع العدو والحصول على المعلومات بدون صعوبة أو شك في سلوكه.

صداقات
تركزت الفكرة في قيام «صالح» ببيع البيض داخل المواقع للجنود الإسرائيليين، وبالفعل تمت الفكرة بنجاح وبدأ الطفل يحقق صداقات داخل المواقع ومع الجنود لقد كان صديقا مهذبا وبائعا في نفس الوقت، وكان يبيع ثلاث بيضات مقابل علبة من اللحوم المحفوظة أو المربى، وداومت المخابرات المصرية على الاتصال به وتزويده بما يحتاج من البيض لزيارة أكبر قدر من المواقع حتى يمكن جمع المعلومات منها.

وبعد شهر تقريبا بدأت مهمة الطفل في جمع المعلومات بطريقة تلقائية من خلال المشاهدة والملاحظة وبعد أشهر معدودة جذب عددا من الجنود لصداقته فكان يجمع المعلومات بطريقته البريئة من خلال الحديث معهم، كان في كل مرة يحمل مجموعة قليلة من البيض يبعها ثم يعود إلى منزله يحمل مجموعة أخرى إلى موقع آخر تعود على المكان وتعود عليه الجنود حتى أنهم كانوا يهللون فرحا حينما يظهر.

ومع الأيام تكونت الصداقات واستطاع الطفل التجول بحرية شديدة داخل مواقع العدو بدون أن يحمل معه البيض كان يتعامل بتلقائية شديدة وبذكاء مرتفع لم تكن أبدا ملامحه تظهر هذا الذكاء، وظل يداعب الجنود، ويمرح معهم ويمارس الألعاب معهم، يستمع لما يقولون وكأنه لا يفهم شيئا وما أن يصل إلى الضابط حتى يروي له بالتفاصيل ما سمعه من الجنود، وما شاهده في المواقع بدون ملل.

معلومات قيمة
وبعد أربعة أشهر بدأ حصاد الطفل يظهر في صورة معلومات لقد استطاع أن يقدم للمخابرات المصرية ما تعجز عنه الوسائل المتقدمة، وتكنولوجيا التجسس وقتذلك.
فقد نجح في التعرف على الثغرات في حقول الألغام المحيطة لأربعة مواقع مهمة بها المدافع الثقيلة بالإضافة إلى مولدات الكهرباء، ووضع خزانات المياه، وبيان تفصيلي عن غرف الضباط، وأماكن نوم الجنود وأعداد الحراسة الليلية، وكل التفاصيل الدقيقة حتى الأسلاك الشائكة، وكان يستطيع الطفل رسمها، ومع تعليمات ضابط المخابرات استطاع الطفل التمييز بين أنواع الأسلحة ظل الطفل يسرد للمخابرات ما يحدث داخل المواقع من كبيرة وصغيرة وبناء على ما تجمعه المخابرات من الطفل ترسم الخطط المستقبلية لكيفية الاستفادة القصوى من الطفل مع توفير أكبر قدر من الأمان والرعاية له.

مضايقات
كثيرا ما كان يتعرض الطفل أثناء احتكاكه بالجنود الصهاينة للمضايقات والشتائم وأحيانا الضرب من بعضهم لكن دون شك فيه، وكان ضابط المخابرات المصرية «كيلاني» يخفف عنه الآلام، ويبث فيه روح الصبر والبطولة وكان أصدقاؤه من الجنود الإسرائيليين أيضا يخففون عنه الآلام، وينقذونه من تحت أيدى وأقدام زملائهم، وكان من أبرز أصدقاء الطفل «صالح» ضابط يهودي من أصل يمني يدعى «جعفر درويش» من مواليد جيحانه في اليمن وكان قائداً للنقطة 158 المسماة بموقع الجباسات، ظل الطفل يتحمل مشقة المهمة حتى جاء شهر سبتمبر 1973 قبل الحرب بشهر واحد.

وبعد اختباره في عملية نفذها الطفل بدقة عالية قام ضابط المخابرات المصرية بتزويد الطفل بقطع معدنية صغيرة، وتم تدريبه على كيفية وضعها في غرف قادة المواقع التي يتردد عليها وطريقة لصقها من الوجه الممغنط في الأجزاء الحديدية المختفية كقوائم الأسرة وأسقف الدواليب الحديدية، وكانت هذه العملية مملوءة بالمخاطر والمحاذير، وكان هناك تردد من قيام الطفل بها حتى لا يتعرض للمخاطرة، ولكن الطفل رغب في القيام بهذه المهمة وذهب وترك الضابط في قلق شديد.

قلق وحيرة
كانت تراوده الظنون التي لا تنقطع، ظل الضابط ناظرا إلى السماء لا يستطيع الجلوس في مكان حتى قاربت الشمس على المغيب فزاد القلق والحيرة والتساؤل:
هل تم القبض على الطفل؟ لابد أنه يذوق ألوان العذاب الآن وما العمل؟ وكيف الخلاص إذا تم اكتشاف الطفل؟ كيف يمكن تخليصه من هذا العدو الصهيوني؟ ووسط هذه التساؤلات ظهر الطفل ليغمر وجه الضابط فرحة لا يمكن تصورها. لقد عاد بكامل صحته حاملا لعلامة النصر واستطاع إنجاز أصعب عملية في حياته ليسجل التاريخ اسمه، لقد مكنت العملية الأخيرة التي قام بها الطفل باقتدار المخابرات المصرية من الاستماع من خلال هذه القطع المعدنية التي بداخلها جهاز إرسال دقيق إلى كل ما يدور داخل حجرات القيادة من أحاديث وأوامر من كيفية التعامل مع هذه المواقع أثناء العبور، كما استطاع المصريون التعامل مباشرة أثناء المعركة مع هذه المواقع بتوجيه إنذارات إليهم للاستسلام.

كل هذا ولم يكشف الضابط في زيه الإعرابي عن شخصيته للطفل وقبل الحرب بعشرين يوما وصدرت الأوامر من المخابرات المصرية بنقل الطفل وأسرته إلى القاهرة، ولم يكن الأمر سهلا خاصة فقد نقل صالح وعائلته من الصحراء إلى القناة وتم عبورهم للقناة ومنها إلى «ميت أبو الكوم» حيث كان الرئيس الراحل محمد أنور السادات في استقبالهم وبعد أيام من نصر أكتوبر أدرك الطفل صالح مدى أهمية ما قام به من أعمال خارقة ساهمت في انتصارات أكتوبر ودخل صالح مبنى المخابرات المصرية فوجد الإعرابي المهرب مرتديا زيا مدنيا لتملأ الدهشة وجه الصغير، ويقوم الضابط «كيلاني» برعايته في التعليم ويدور الزمان ليجلس الطفل مكان «الرائد كيلاني» على مقعده وفي غرفته
سمير باسيلي ...
سمير وليم باسيلي ـ أول جاسوس يجند أباه للموساد
"عندما تخمد نبضات الحب صريعة الكبت .. والمعاناة .. والشجن، وتحترق الأعصاب فيرتجف الجسد رجفة الجوع... ينهار الجبان ويصير شبحاً بلا معالم.. فيسترخص الثمين بلا ندم ..
وعندها ... فهو لا يتورع أن يبيع الجذور بدريهمات . ويهون عليه بيع الأهل .. والأبناء .. والوطن ... !!"

السر العظيم

عندما ورط إبراهيم شاهين زوجته انشراح وأولاده الثلاثة... ودفعهم بحماس للتجسس لصالح الموساد.. لم يكن دافعه الانتقام منهم.
كذلك هبة سليم... التي جرجرت خطيبها المقدم فاروق الفقي للخيانة العظمى.. بالرغم من علمها أنه يحبها لدرجة الجنون.. لم يكن دافعها الانتقام منه.
أما جاسوس الإسكندرية... السيد محمود... الذي احتال على شقيقه أمين المجند بالقوات المسلحة... وأغرقه في أموال الموساد... فهو أيضاً لم يكن يقصد الانتقام منه.
لكن سمير وليم فريد باسيلي... كان يختلف كثيراً عن هؤلاء وغيرهم... إذ دفع بوالده – عن عمد – إلى وكر الجاسوسية ... للانتقام منه... وتشفياً به... وورطه في عمليات تجسس لحساب إسرائيل ... انتهت بمصير مهلك لكليهما.
كيف حدث ذلك... ؟
علماء النفس تحيروا... ووقفوا عاجزين أمام أحداث القصة المؤسفة.. وفشلوا تماماً في تحليل شخصية الابن المجرم... كما فشلوا من قبل مع إبراهيم وانشراح ...الذين قال عنهما أستاذ علم النفس النمساوي "فردريش يوجان":
"أعتقد أنهما مصابان بمرض "الجنون ذي الوجهين Folie a double forme ".. وهو مجموعة أعراض إكلينيكية قوامها خفض نغمة المزاج الوقتي LOWERING OF MOOD TONE وصعوبة التفكير الذي يغلفه القلق وتسلط الأفكار ... وتهيج بعض الأحزان والهموم ...
ولأن حالة سمير باسيلي حالة فريدة من نوعها... خضعت للعديد من التحليلات النفسية ... وضعته في النهاية في مصاف المرضى .. وصنفه "يوجان" على أنه "الدوني السيكوباتي التكوين CONSTITUTIONAL PSYCHOPATHIC INFERIOR " ... والسيكوباتي هو دائماً في حالة توتر... لا يستفيد إلا قليلاً جداً بالخبرة أو العقاب... ولا يدين بأي ولاء حقيقي لأي مبدأ أو جماعة.
فلنقرأ معاً تفاصيل قصة سقوط سمير باسيلي... ولا نتعجب لتحورات النفس البشرية وتقلباتها... فتلك قضية شائكة معقدة .. ذلك لأن النفس البشرية سر لا يعلمه إلا خالقها سبحانه وتعإلى.

على مقهى برنسيس

حصل سمير على الثانوية العامة بصعوبة شديدة عام 1960 وتوقف عن إكمال دراسته بأحد المعاهد. فالأب ... كان بخيلاً شديد البخل... شرس الطباع في معاملته لأبنائه... لا يترك قط مساحة ضئيلة من التفاهم تقربهم منه، وكره سمير في أبيه سلوكه فأدمن الخروج من المنزل والسهر مع أصحابه... ولم تنطفئ برغم ذلك حرائق الصدام مع والده. لذلك فكر في السفر إلى ألمانيا بعدما ضاقت به الحياة وعضه الجوع.
وعندما عرض الأمر على أبيه لم يسلم من تهكمه وسخريته اللاذعة... وذكره بالفشل الذي أصبح سمة من سمات شخصيته.. رافضاً بشدة إمداده بنفقات السفر رغم توسط بعض أفراد الأسرة.
استدان سمير من أصدقائه ووجد نفسه فجأة على مقعده بالطائرة في طريقه إلى ألمانيا، يتنفس الصعداء ويلعن الفقر... ويسب والده الذي حطم كل الآمال لديه فأشعره باحتقاره لنفسه.. ودونيته.. وبث بأعماقه شعوراً مخجلاً بالضعف والحقارة.
لقد كان يبخل عليه بأبسط بوادر الحنان والأبوة... وحرمه الحب... فعاش معه مزوياً بلا هدف أو كيان. وأخذ سمير يجتر ذكرياته المرة مع والده البخيل .. الذي دأب على تسميم بدنه ليل نهار بالسباب والحط من شأنه... وتحريض أمه على طرده من المنزل كلما عاد متأخراً وحرمانه من العشاء والهدوء... مما أثار شجن الشاب الممزق.. وكثيراً ما كان يسأل نفسه أهو ابن شرعي لهذا الرجل أم لقيط وجدوه على الرصيف.
تحركت به الطائرة على الممر.. وقبل أن ترتفع مقدمتها عن أرض المطار... أخرج سمير منديله وبصق على معاناته وآلامه وحظه، وكأنه يبصق على كل ما يذكره بأيامه الكئيبة. وظل يسرح طوال رحلته في خيال جميل أفاق منه على صراخ عجلات الطائرة وهي تنزلق على أرض مطار ميونيخ. وشرع من فوره في محاولة تحقيق الحلم... فاتصل بمعارفه هناك لمساعدته.. وسريعاً حصل على وظيفة معقولة بشركة سيمونز الشهيرة فعاش حياة رائعة لم يكن خياله يقوى على وصفها أو يتخيلها.
مرت الأسابيع والشهور وفتانا منهمك في عمله لا يبغي سوى جمع المال... وبدأ رويداً رويداً في استطلاع الحياة الجديدة... التحرر الصاخب الذي يغش المجتمع من حوله... وساعده المال الذي ادخره على المغامرة... فانغمس في عالم آخر بعدما ضعف أمام إغراء المدينة الساحرة.. بحر هائج من اللذات لا ينتهي مد موجه أو يخمد.. أفرغ بين ضفتيه حياته السابقة لا يكاد يفيق من نشوته وسكرته إلا ويعود أكثر شراهة وطلباً.
ضمن له مرتبه الكبير التكيف مع حياته الجديدة... ولأنه فقد هويته – أراد أن يرسم لنفسه هوية جديدة ابتدعها هو ... وهيأت له الظروف خطوطها لخدمة أحلامه وطموحاته. وتبلورت شخصيته الجديدة على مقهى برنسيس حيث الخمر والرقص والنساء.
وذات مساء وكان الزحام على أشده جلس بجواره رجل أنيق ودار حديث بينهما وفهم سمير أن نديمه ينتظر صديقته التي جاءت تخطر كظبي رشيق نفر الجمود والوخم .. وصاح "هاتز مولار" ينادي على صديقته "جينفيف يارد" في ترحاب زائد .. وعرفها على سمير باسيلي الذي غاص في الذهول والمفاجأة.
كانت أنوثتها الطاغية تقتل، وصدرها العاري ترتج لمرآة الخلايا، وسيقانها المرمرية المثيرة تُطيّر العقل.
وعندما قامت للرقص معه .. حرقته نيران الجسد... وألهبته أنفاسها وهي ترسل تنهداً تسلل إلى عقله فأوقفه ودمر مقاومته.. وكانت يداها كالقيد تطوقان رقبته تماماً كالقيد الذي كبل به مصيره ومشواره المقبل. وعندما صحبها هانز وخرجا لم يستطع سمير صبراً.. فلاحقهما بسيل من الاتصالات التليفونية تعمدا ألا يردا عليها لبعض الوقت... إلى أن أوشك الشاب العاشق على الجنون... فدعاه "هانز" إلى شقته وجاءت "جين" كفتنة تتحرك فتتحرك معها الرغبات وتثور معلنة عن نفسها.
ترك هانز الشقة إثر مكالمة تليفونية وتمنى سمير لحظتئذ لو منحها كل غال لديه للفوز بقطرة واحدة من شهد أنوثتها.. ولكن عندما أفاضت عليه بكئوس من النشوة خارت إرادته... وود لو لم يفق من سكرته إلى الأبد.
وكانت خطة السقوط التي رسمتها الموساد أغرب من الغرابة... فبينما كان عارياً في الفراش المستعر قالت له جين وهي تمرر المنشفة على وجهه :
Ø     أنت مصري رائع، أشعرتني بأن "للحب" مذاقات لذيذة أخرى.
أجابها في ثقة:
Ø     هذا ما تعلمته منكم.
سألته في دلال:
Ø     ألم تكن لديك صديقة في مصر؟
قطب حاجبيه وأجاب بسرعة:
Ø     لا ... لا ... الجنس في مصر يمارس بشكل متحرر في الخيال... وفي السر فقط. والصداقة بين الجنسين لا تعرف الجنس ولكنها تضج بالكبت وتفوح منها أبخرة الرغبة.
في نعومة زائدة سألته وهي تفرك أذنه:
Ø     وماذا تقول عني أيها المصري الشقي؟
قال وهو يقبلها: أفردويت ابنة زيوس وهيرا التي ولدت من زبد الماء في بحر إيجه ، وهي الآن بأحضاني.
ردت وهي تحتضنه في تدلل:
Ø     لا تبالغ كثيراً!!.
ضغطها بين ذراعيه متولهاً وهو يقول:
Ø     أنت أروع فتاة عرفتها... ولن أتركك أبداً.
تنهدت في حزن:
Ø     للأسف يا سمير ... سأتركك مضطرة خلال أيام.

لن أعيش وحيداً

انتفض منزعجاً وهو يبعد وجهها عن صدره ليتأمله:
Ø     جين ؟ ماذا تقولين؟ عندما عثرت عليك امتلكت الحياة وسأموت بدونك.
عانقته وهي تقبله في حنان بالغ:
Ø     فضلت أن أصارحك الآن قبل أن أغادر ميونيخ فجأة.
تشبث بذراعيها فتألمت وقال:
Ø     سأجيء معك حتى آخر الدنيا فلا دنيا لي سواك.
Ø     مستحيل...
تنهد في زفرة طويلة وأردف:
Ø     سأثبت لك يا جين أن لا شيء مستحيل...
وفي نعومة الحية قالت:
Ø     أرجوك ... أنت لا تعرف شيئاً... فلا تضغط على أعصابي أكثر من ذلك.
هزها بين أحضانه وهو يردد:
Ø     أحبك لدرجة الجنون منذ رأيتك في البرنسيس يا أجمل برنسيس في الدنيا.
Ø     أحبك أيها المصري الأسمر "قالتها وهي تداعب شعره في ابتسامة عريضة".
مرت فترة صمت قبل أن يضيف:
Ø     تركت مصر وعندما رأيتك أحسست أنك وطن آخر... نعم أنت الآن لي وطن وأهل وحياة ... ولن أتركك ترحلين فأغترب وأحترق.
تبدلت نبرتها إلى نبرة حزن وهي تقول:
Ø     أنا أيضاً أعيش معذبة بعدما مات والدي منذ سنوات. إن الوحدة تقتلني وترهقني معاناة القتامة، لذلك فأنا أموت كل ليلة من التفكير والقلق. وبي حاجة إلى صديق وحبيب يؤازرني.
تساءل:
Ø     أليس هانز صديقا؟
أجابت مفتعلة الصدق والألم:
Ø     لا .. إنه رئيسي في العمل وفي ذات الوقت ملكه. إنني مثل سلعة تافهة يروجونها مجاناً.
تجهم وجهه وقطب حاجبيه وهو يسألها:
Ø     من ؟ من هؤلاء الذين تقصدين؟
تلتصق به كالخائف الذي يلوذ بمن يحميه..
Ø      ... ... ... ... ... ... ... ... ؟
في لهجة جادة يعاود سؤالها:
Ø     أجيبيني من فضلك جين ..
تزداد جين التصاقاً به ويرتعش جسدها بين يديه وتهمس بصوت متهدج:
Ø     لا أستطيع ... لا أستطيع ... مستحيل أن تثق بي بعد ذلك.
في إلحاح مشوب بالعطف:
Ø     أرجوك جين .. أنا أحبك ولن أتركك أبداً... من هؤلاء الذين تعملين معهم؟
ركزت نظراتها على عينيه موحية له بالأسف:
Ø     الموساد ..
Ø     موساد ؟ !!
ردد الاسم ويبدو أنه لم يفهم... إذ اعتقد أنهم جماعة من جماعات الهيبز التي كانت قد بدأت تنتشر في أوروبا وتطوف بالميادين هناك والشوارع.
Ø     نعم الموساد .. ألا تعرف الموساد؟
نظرت في عينيه بعمق تستقرئ ما طرأ على فكره .. واقتربت بشفتيها منه وأذاقته رحيق قبلة ملتهبة أنهتها فجأة وقالت له:
Ø     إنها المخابرات الإسرائيلية.
وأكملت مص شفتيه لتستشف من حرارته رد فعله.
ولما رأت جين أن حرارة تجاوبه لم تفتر بل إن امتزاج الشفاه كان على أشده.. تعمدت ألا تحاول استقراء أفكاره، وهيأت رائعات اللذائذ، وأسبغت عليه أوصاف الفحولة والرجولة فأنسته اسمه ووطنه الذي هجره.. والذي خط بالقلم أول مواثيق خيانته.
وبعد أن هدأت ثورة التدفق قالت له بخبث:
Ø     هل ستتركني أرحل؟ بيدك أن أظل بجانبك أو أعود إلى تل أبيب. أجاب كالمنوم:
Ø     بيدي أنا.. ؟ كيف ؟ لا أفهم شيئاً..
عانقته في ود مصطنع وبكت في براعة وهي تقول:
Ø     لقد كلفوني بالتعرف على الشباب العربي الوافد إلى ميونيخ، خاصة المصريين منهم وكتابة تقارير عما أعرفه من خلال حوارنا في السياسة والاقتصاد .. لكنني فشلت فشلاً ذريعاً بسبب اللغة. فالمصري أولاً ضعيف في الإنكليزية لأنه يهتم بالدويتش، وهم أمهلوني لمدة قصيرة وعلى ذلك لا مكان لي هنا.
وكان الأمر ثانوياً بالنسبة له:
Ø     ماذا بيدي لأقدمه لك؟
بتوسل شديد يغمسه الحنان قالت:
Ø     تترجم لي بعض التقارير الاقتصادية من الصحف المصرية والعربية وليس هذا بأمر صعب عليك.
أفاق قليلاً وقال:
Ø     وهل المخابرات الإسرائيلية تجهل ما بصحفنا لكي أقوم بالترجمة لها؟
أجابت في رقة:
Ø     يا حبيبي أريد فقط أن أؤكد لهم أنني ألتقي بمصريين وأقوم بعملي معهم.. ولا يهمني إن كانوا يترجمون صحفكم أو لا يترجمونها. أريد أن أظل بجانبك هنا في ميونيخ...
وطال الحوار بينهما وعندما خافت جين من الفشل في تجنيده.. أجهشت بالبكاء وهي تردد:
Ø     لا حظ لي في الحب... ويبدو أن صقيع الحياة سيظل يلازمني الى الأبد.
أخذتها نوبة بكاء هستيرية وهي تنعي حظها في الحب وافتقادها للدفء والحبيب... فما كان منه إلا أنه جذبها الى صدره بقوة وهو يقول:
Ø     مهما كنت ... لن أتركك ترحلين.

وأمام رغبته الجامحة وخدعة المشاعر... أسلم مصيره لها تفعل به ما تشاء... فجاءته بأوراق وكتب بخطه سيرة حياته... ومعلومات عن معارفه وأقاربه ووظائفهم وعناوينهم في مصر. وطلبت منه بتدلل أن يمدها بأخبار مصر من خلال المصريين الوافدين إلى ميونيخ. فلم يعترض بل كان شرطه الوحيد أن تظل بجانبه.
هكذا سقط سمير في براثن الموساد. وبعد أن غرق لأذنيه في مهامه التجسسية واستسهل المال الحرام... تركته جين لتبحث عن غيره... وانشغل هو باصطياد المصريين والتقاط الأخبار... وقبع في مطار ميونيخ ينتظر الطائرات القادمة من مصر عارضاً خدماته على الوافدين للمرة الأولى.. الذين يسعدون بوجود مصري مثلهم يرافقهم إلى حيث جاءوا ... ويقوم بتسهيل أعمالهم في المدينة.
أشهر قليلة ... واستطاع أن يقيم شبكة واسعة من العلاقات... خاصة مع بعض موظفي مصر للطيران وبعض المضيفين والمضيفات... ويعود إلى مسكنه في المساء ليكتب تقريره اليومي المفصل ... الذي يتسلمه منه مندوب من الموساد كل صباح... ويقبض آلاف الماركات مكافأة له.

الطماع والمغامر

وبعد أن استقرت أموره المالية كثيراً عرف أبوه طريقه.. فزاره في ميونيخ عدة مرات زاعماً أن المشاكل الاقتصادية في مصر تضخمت... وأنه يطلب مساعدته في الإنفاق على أسرته.
كان سمير يتلذذ كثيراً بتوسلات والده. بل يرسل في طلبه خصيصاً ليستمع إلى كلمات الرجاء تتردد على لسانه... وليرى نظرات التودد تملأ وجهه. وتضخم الإحساس بالشماتة عند الابن تجاه أبيه حتى وصل إلى درجة الانتقام.. وكان الانتقام بشعاً ويفوق كثيراً حجم الترسبات التي قبعت برأس الابن تجاه أبيه.
لقد دبر سمير كميناً محكماً لأبيه أوقعه في شراكه عندما صحبه إلى مكتب هانز مولار ضابط المخابرات الإسرائيلية في ميونيخ... والذي يبدو في ظاهره مكتباً للمقاولات.
ولأن وليم فريد باسيلي يعشق النقود .. أوضح له هانز أنه سبب الرفاهية التي يعيش فيها ابنه سمير. وأنه على استعداد أيضاً لبدء علاقة عمل بينهما وتأسيس شركة تجارية كبرى في القاهرة تدر عليهما ربحاً وفيراً...
عندها . تخيل وليم شركته الجديدة والأموال التي ستغدق عليه... تخيل أيضاً مقعده الوثير ومكتبه الفخم وسكرتيرته الجميلة وسيارته الحديثة.. وسافر بخياله يجوب شوارع القاهرة يختار موقع المكتب. فأيقظه هانز قائلاً إنه بحاجة إلى معلومات اقتصادية عن السوق المصرية... يستطيع من خلالها أن يحدد خطوطاً عريضة لنشاط الشركة. ولبى وليم الدعوة وجلس عدة ساعات يكتب تقريراً مفصلاً عن احتياجات السوق، وأحوال الاقتصاد في مصر.
دهش هانز لدقة المعلومات التي سردها وليم ومنحه فوراً 1000 مارك، ووعده بمبلغ أكبر مقابل كل تقرير يرسله من القاهرة.
نشط الجاسوس الجديد في كتابة التقارير وإرسالها إلى ألمانيا وفي الزيارة التالية لميونيخ فوجئ وليم بثورة هانز بسبب سطحية تقاريره المرسلة إليه. وقال له إن المكتب الرئيسي على استعداد لدفع خمسة آلاف مارك للتقارير المهمة وأنه على استعداد لتدريبه على كيفية جمع المعلومات وكتابتها بعد تصنيفها. وعندما سأله وليم عن المكتب الرئيسي أجابه بأنه في تل أبيب، وهو مكتب مختص بالشؤون الاقتصادية في دول العالم الثالث.
ارتبك وليم فناوله هانز خمسة آلاف مارك في مظروف مغلق قائلاً إنه هدية من إسرائيل من أجل التعاون المخلص. أما التقارير فلها مقابل أيضاً... وتسلم وليم خمسة آلاف أخرى فانكمش في مقعهده بعدما أدرك حقيقة موقفه ووضعه.
طمأنه هانز بأن علاقتهما لن تكشفها المخابرات المصرية، لأن هذه التقارير ليست مادة سرية فهي موجودة في الصحف القاهرية. وشيئاً فشيئاً... تطورت العلاقة بين هانز ووليم إلى علاقة بين ضابط مخابرات وجاسوس خائن، تحددت بدورات تدريبية خاضها الأب على يد ضباط فنيين، وانتفخت جيوبه بآلاف من الماركات بعدما كثرت تقاريره التي كان يجيد كتابتها بعد تحليلها... وتعمده مصادقة ضباط القوات المسلحة والعسكريين المسرحين من المحيطين به.
وفي كل زيارة لميونيخ كان هانز يحذره من قراءة قضايا التجسس في الصحف المصرية حتى لا يرتبك ويقع في قبضة المخابرات المصرية التي لا ترحم الخونة. وطمأنه على أسلوب عملهم الذي لا تستطيع المخابرات العربية كشفه. وحتى وإن حدث... فهم سيتولون رعاية أبنائه والإنفاق عليهم من بعده "وقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن إسرائيل تتنصل من الخونة بعد سقوطهم وأنها تأخذ فقط وتمنح قبل السقوط" .
أما الابن سمير ... فقد اتسعت دائرة نشاطه في التعرف على المصريين الوافدين وتصيد الأخبار منهم من خلال الدردشة العادية.. وهؤلاء الذين فشلوا في الحصول على عمل... وشرع بالفعل في تجنيد ثلاثة من المصريين. استطاعوا الرجوع إلى مصر وأخبروا جهاز المخابرات المصرية بتصرفات سمير .. ودوره في محاولات الإيقاع بهم لصالح المخابرات الإسرائيلية.. بواسطة فتيات جميلات يجدن استعمال لغة الجسد.
لقد جاءت البلاغات الثلاثة في فترة قصيرة ومن أشخاص لا يعرفون بعضهم، وكانت خطة المخابرات المصرية لاصطياد سمير وأبيه محسوبة بدقة بالغة ... وإحكام.

الحكم العادل

كان وليم قد افتتح مكتباً كبيراً للمقاولات في القاهرة استطاع من خلاله أن يمارس عمله في التجسس ... وجعل منه مقراً للقاءاته بالأشخاص الذين يستمد منهم معلوماته.. خاصة من العسكريين الذين أنهوا خدمتهم . حيث إنهم في الغالب يتفاخرون دائماً بدورهم وبعملهم السابق بصراحة مطلقة... أمام الأشخاص الذين يبدون انبهاراً بما يقولونه ويسردونه من أسرار عسكرية وتفاصيل دقيقة.
وفي أحد الأيام ... فوجئ وليم برجل ثري عائد من الخليج.. يريد الاستفسار عن إمكانية فتح مشاريع استثمارية وعمرانية كبيرة.
كان الرجل قد أمضى في الخليج سنوات طويلة ويجهل حاجة السوق المصرية للمشروعات... وتباهى وليم في سرد خبراته مستعيناً بإحصائيات تؤكد صدق حديثه.. واستطاع إقناع المصري الثري بقدرته على اكتشاف حاجات السوق وإدارة المشاريع. وبدا أن الرجل قد استشعر ذلك بالفعل إلا أن حجم ثروته ورغبته في عمل مشاريع عملاقة... استدعى من وليم الاستعانة بخبرة سمير فكتب له يطلب مجيئه وألح عليه في ذلك... وجاءه الرد من ابنه يخبره بميعاد قدومه.
وما هي إلا أيام حتى جاء الابن إلى القاهرة.. بصحبته شاب ألماني وصديقته أرادا التعرف على الآثار الفرعونية ... فصحبهما سمير إلى الأقصر حيث نزلوا بفندق سافوي الشهير على النيل .. ثم مكثوا يومين في أسوان وعادوا إلى القاهرة.
كان سمير طوال رحلته مع صديقيه يقوم باستعمال كاميرا حديثة ذات عدسة زووم في تصوير المصانع والمنشآت العسكرية طوال رحلة الذهاب والعودة... وفي محطة باب الحديد حيث الزحام وامتزاج البشر من جميع الجنسيات ... وقف سمير امام كشك الصحف واشترى عدة جرائد. وبعدما هموا بالانصراف... استوقفه شاب انيق يرتدي نظارة سوداء برفقته أربعة آخرين وطلب منه أن يسير بجانبه في هدوء.
ارتسمت على وجه سمير علامات الرعب .. وحاول أن يغلفها ببعض علامات الدهشة والاستفهام لكنه كان بالفعل يرتجف.
اعتذر الرجل الأنيق للضيف الألماني وصديقته... وودعهما سمير بلطف ومشى باتجاه البوابة إلى ميدان رمسيس يجر ساقيه جراً محاولاً أن يتماسك... لكن هيهات فالموقف صعب وعسير.
وعندما دلف إلى داخل السيارة سأله الرجل الأنيق ذو النظارة:
Ø     أتريد أن تعرف إلى أين تذهب؟
أجاب بصوت مخنوق:
Ø     أعرف !!
وعندما فكر في مصيره المحتوم ... أجهش بالبكاء... ثم أغمى عليه بعدما تملكه الرعب وأصابه الهلع... وحملوه منهاراً إلى مبنى المخابرات العامة ليجد والده هناك... نظراته أكثر هلعاً وصراخه لا يتوقف وهو يردد:
Ø     سمير هو السبب !!
واكتشف وليم أن الثري القادم من الخليج ما هو إلا ضابط مخابرات ... واكتشف أيضاً أن تقاريره التي كان يرسلها إلى الخارج تملأ ملفاً كبيراً.
ولم يستغرق الأمر كثيراً. فالأدلة دامغة والاعتراف صريح. وكان الحكم في مايو 1971 عادلاً لكليهما. الإعدام للإبن و15 عاماً أشغال شاقة للأب... وعار أبدي للأسرة حتى الجيل المائة .. وكانت النهاية الطبيعية لكل خائن باع ا لنفس والوطن.